التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

أنا خالد و كل عربىّ يعيش ميتاً بسبب وطنه خالد

كتبت: هدير خالد

6884-27005

 

 

من هو خالد ؟

ليس خالد هو بطل الرواية بالتحديد .. ليس الرسّام المُعذب بحبه لوطنه و ليس الصحفىّ الفاقد لحريته فى وطن يعتبره خائناً لأنه يصرخ بكلمة الحق .

كل هؤلاء الخوالد مجرد صور تكررت على مرّ التاريخ, أما خالد الحقيقى هو كل فرد ساذج يظن أن بلاده هى أمه التى لا يمكن أن تتخلى عنه أو تنكره مهما حدث .. مُكرراً فى ثقة مثيرة للشفقة أنى سأتحملّ كل شئ من أجل هذا الوطن .

أنا خالد و كل عربىّ يعيش ميتاً بسبب وطنه خالد أيضاً, كل تلك الشعوب العربية التى تعيش تحت ظلال الاربعين الحرامى كما تقول الاسطورة الشعبية .. خالد أيضاً .

بعد إنتهائى من الرواية صادف أن أرى مشهداً مأساوياً من فيلم مصرىّ يُصورّ ما يسمى هنا “حادثة العبّارة ” حيث لم يُقتل الشباب فقط بل قُتلت أحلامهم و آمالهم و حقهم الطبيعى فى أن يعيشوا كغيرهم, و من بقى حياً .. ماتت روحه و فقد جزءاً من جسده .

لم أندهش كثيراً عندما قام عقلى بربط الشعب الجزائرى بتلك المعاناة و جعلم فى صورة هؤلاء الشباب الذبن كانوا ضحية وطن لم يعرف سوى دماء أبنائه غذاءاً له. كم كان ذلك الزمن الذى كان الشعب الجزائرى يتوقع فيه رصاص الغدر من بنادق فرنسية .. منطقياً و فجأة تُمحى منطقية الأحداث لكى يصبح الشعب خائفاً من رصاص حاكميه !

إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر .. و عندما عاد محمد بوضياف لكى يعطى تلك الحياة للشعب الجزائرى لم يمهلوه الفرصة , استدعوه ليزيلوا تهمة أنهم حُكّام طغاة ظالمين ثم قتلوه برصاصهم قبل اليوم الموعود , عيد الاستقلال .

أشعر أن موت محمد بوضياف كان رحمةً من الله عز و جلّ حتى لا ينخرط فى هذا الفساد الذى غرق فيه رفاقه و ليس رغماً عنهم و لكنهم بالتأكيد اتبّعوا تلك النظرية ” أنا و من بعدى الطوفان ” , أرادوا توفير حياة كريمة لهم و لابنائهم حتى لا يضيع جهدهم هباءاً .

و كأن ثمن تضحيتك من أجل وطنك هو سرقته ! .. وطن ! تلك الكلمة المُكوّنة من ثلاثة أحرف أصبح كل حرف يُمحى بالتدريج كلّما انتهيت من صفحة من تلك الرواية .

لا أعلم لماذا أطلقت أحلام على تلك الثلاثية اسم ” ذاكرة الجسد ” و لكن فوضى الحواس كانت أكثر الأجزاء ألماً بالنسبة لى و أنا أرى حباً ينمو وسط غابات الرغبات السياسية العفنة !

تلك الشعوب العربية التى لا تتعلم من أبداً من تاريخها دائماً تنبهر بالزىّ العسكرىّ .. لماذا ؟! ما السرّ فى ذلك ؟

و من ثمَّ يصبح هلاكهم على أيديهم , و دائماً يدخل المسار اليمينى ليفسد أكثر و أكثر و كأنها وليمة يريد أن يغتنم منها ما يشاء و لا ينتبه لحال هذا الوطن الذى بتداعى تدريجياً , يتظاهر أنه حريص على هذا الوطن و شعبه فى شهوةً غريبة !

رأيت مصر من خلال مأساة الجزائر فازداد ألمى و حزنى بعدما اعتزلت التفكير فى تلك الأمور التى لم يعد يصبح طائل من ورائها للأسف .. أصبحت فى حيرةً .. هل ألوم الشعب أم الحُكّام أم أصمت و أترك تلك الثلاثية التى تدمينى و تُذكرّنى أن التاريخ يعيد نفسه و أننا للأسف لا ننتبه .

من أهم النقاط الواجب الحديث عنها هى كيف لأحلام أن تضع السّم فى العسل بتلك الطريقة ؟

كيف من السهل عليها أن تّدهشنى بتفاصيل هذا العشق العنيف بين حياة و خالد بن طوبال ثم فجأةً تضعنى أمام واقع الجزائر المؤلم حينها ؟!

و أى لغةً تلك التى تكتب بها ؟ أحياناً تصدمنى باللهجة الجزائرية ثم فجأة الفرنسية ثم تضع كل هذا داخل فصحى قوية لا تكترث بأى شئ ؟!

أقول للمرة الثانية أنى لن أستطيع إبداء رأيي فى عمل جزء من ثلاثية لأنى ينقصنى الكثير و ينقصنى بلورة كل تلك التفاصيل و لكن أظن أن فوضى الحواس ستكون أقوى الأجزاء من حيث الحبكة و السرد و الأحداث و التماسك اللغوى و توظيف الصور الرمزية بشكل خادم للرواية .

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة