التخطي إلى شريط الأدوات
شِعرمشاركات أدبية

“رضوي عاشور”.. قصيدة في حب الزوجة والحبيبة .. وحصاد أعذب زهرة في قلب عذبه الشتات

“رضوي”، قصيدة كتبها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي لزوجته وحبيبته الأديبة والناقدة الكبيرة رضوي عاشور، والتي سبق ونشرت علي ثلاث أجزاء بمجلة الكاتب في بداية السبعينات، وكتبت لطيفة الزيات مقدمة نقدية عنها احتفت فيها بمحتوي القصيدة فقالت :”إننا قرأنا في الشعر القديم قصائد غزل لكننا لم نقرأ قصائد حب”.

قصائد رضوي الأولي والثانية توزعت بين ديوانيين؛ فلسطيني في الشمس، الصادر عن دار العودة-بيروت عام 1974، وطال الشتات عن دار الكلمة بيروت.

والاخيرة كتبها عندما كانت متغيبة لإنجاز رسالة الدكتوراة بالولايات المتحدة فكتب لها:

“يا رضوى الغائبة بعيدًا

بعد البحر

ها نحن حملنا باقات الورد الأحمر

وتوزّعنا

في كل مداخل قريتنا

ننتظر خطاكِ،

يا رضوى

الزرع الأخضر طفلٌ

القمر الأحمر طفلٌ

والعالم طفل

فتعالي

ها نحن توزعنا

في كل مداخل قريتنا

ها نحن حملنا باقات الورد الأحمر“

ونعيد في هذه المساحة نشر قصيدة رضوي الأولي والثانية ومقال الكاتبة الكبيرة لطيفة الزيات

 

رَضْوىَ

شعر

مريد البرغوثى

(1)

قومى يا دائرة الأشكال

كما يدخل الماء جوف الصخور

بقريتنا فى فصول الشتاء

يشق له ألف درب بباطن أعلى الجبال

ويخلد فيها كثعلبة ترقب

ويصغى لوقع خطى الزارعين

وشق المحاريت للأرض عامًا فعاما

ويخرج نهرًا، ونبعًا، ونافورة تسكب

ويهتف كالطفل:

ها قد أتيت، تعالوا اشربوا

فيشرب منه اليمام وأهل القرى

وقوافل ضلت، وسنجابة تلعب

وتنغمر الأرض بالبرتقال

وتحمر فيها الورود، وتنضج كل الثمار الوليدة

كذلك حبك يدخلنى

ويشرق وجه القصيدة.

رضوى

يا قمح الخابية الذهبى لكل الجوعى

تنضجك الشمس المصرية

خبزًا للفلاحين يقوتهم

كى تبذر أيديهم قمحًا آخر

وتصيره أيديهم خبزًا

وتصيرين.

قومى يا دائرة الأشكال

وضمى هذا الكون الطفل وقوديه إلى الرشد

تلثمه شفتاك حنانًا

وتعالى نتبادل حمل الكون الطفل بكفينا

فالكون جميل، وثقيل، فتعالى

إنى وحدى.

لو ألقاك على جبل فى التيه، وما فيه

إلا أشواك الصحراء ووهج الشمس الشريرة

ورمال.. ورمال.. ورمال..

حتى سقف الأرض النائى

لانبعث الناس من الرمل وجاء الأطفال

وأتت آلاف صبايا الدنيا

ورجال وشيوخ وقبائل

وامتدت فى التيه صفوف من خيمات الآتين

وستجرى فى الصحراء الأنهار

يتعمد فيها الأطفال

وتسقى العطشى

يصبح وهج الشمس ضوءًاللعشاق

وعينًا ترعى الأولاد اللاهين

يبرق فى الأفق البرق الفضى وينهمر المطر

تترامى غابات الورد

وينبعث البشر

وأصير أنا

وتصيرين!

وإذا أمشى عند حفافى الشمس

أوقفنى النيل جوار الشارع

قاسمنى حفنة فستق

وتحدثنا

أخبرنى أنك ذات صباح

قدمت له وردة

فحملها بين الشطين على كفيه

وأتى بجميع الأفراد يحدثهم عن رضوى

ذات العينين الواسعتين

أخبرنى أن الوردة كبرت فى وهج الشمس

صارت غابات ظللت الشطين

سكنتها كل عصافير الوطن الجوعى

وبنت أعشاشًا ذهبية

غنت، طارت، عادت تحمل قمحًا من أبعد بيدر

حدثنى النيل وقال:

سألتنى عنها الأشجار

سألتنى عنها قطرات الأمطار

سألتنى عنها أطيار الفجر

سألتنى عنها مصر.

يا ذات الوجه المنذور لأرض الدلتا

ولحب فلسطينى متعب

يا رضوى، يا ذات الوجه الطيب

يسرى فى جسمى نهر وشراع

وأنا أبحرداخل نفسى كل مساء

يحملنى تيارى الغامض نحو جبينك

وأنا أبحر داخل نفسى داخل شعرى كل مساء

يحملنى تيارى الغامض نحو جبينك

وأنا أبحر داخل نفسى داخل شعرى داخل وطنى كل مساء

يحملنى تيارى الغامض نحو جبينك

أبحر فى جسد فلسطين

أبحر فيك

تحملنى كفاك على وهج القوة

وإذا ما شحبت وجنات بلادى

وإذا ما احتلك سواد الأفق

على أرض الوطن المقهور

يتحول لون شراعى الوردى

إلى لون الدم المسفوك

على كوبرى عباس

تطلع فيه بنفسجة المنذورين

يقفون جوار النصب التذكارى و “نهضة مصر”

نذروا أنفسهم للعرى الحارق

كى يكسوا وطنًا عراه الأقزام وهم يلهون

يا رضوى

يا شجر الكرمل يا حارات الإسماعيلية

فى جسمى يسرى نهر وشراع

وأنا أبحر نحوك كل مساء

أحمل فى مركبتى الكنعانية تاريخ الشهداء جميعًا

يتحول لون شراعى الوردى إلى لون الدم القانى

لو شحبت وجنات بلادى

أو لو لم ألقاك

يا ذات الوجه المنذور لأرض الدلتا

ولحب فلسطينى متعب

لما جئتك كحبة زيتون عارية

تنضجها شمس فلسطين وكفاك

لم أحمل ذهبًا أووعدًا بالفستان الأبيض ذى الذيل الممتد

لكنى حملتك وعدًا بقصيدة

ووعدتك أن أحيا فيك وفى وطنى المتعب

ونذرنا نفسينا للعشق فلا ندرى

من فينا المعشوق ومن فينا وطن المعشوق

ومتى نعشق هذا أو ذاك

لا ندرى إلا أن العشق توحد فينا

ومددنا أيدينا للعشاق الفقراء وسرنا

والدرب طويل ممتد

والدرب طويل ممتد

ما بين الراحة والزنزانة

وتوحد فينا العشق وسرنا

والدرب طويل ممتد

ما بين الصوت وبين الصمت

وتوحد فينا العشق وسرنا

والدرب طويل ممتد

ما بين الميلاد وبين الموت

يا ذات الوجه المنذور لأرض الدلتا

ولحب فلسطينى متعب

إن كان الموسم هذا العام شحيحًا

فلنرفع أيدينا فى وجه الشمس الوحشية

ولنقرع أسماء العالم:

موعدنا العام القادم!

سميتك أول مقتول خلف متاريس الكوميونة

سميتك أول مولود فى مصر الحرة

سميتك أول عاشقة منذ الطوفان

سميتك أول فلاح ينضم لعز الدين القسام

سميتك أجمل طفل ترضعه بين الغابات غزالة

تطلع بين يديه الأشجار

لتمنح ظلاً لمواكب كل كل الناجين من المأساة

تطلع من كفيه ينابيع الماء

لتسقى أهل السر الماشين إلى القدر الآخر

سميتك أشجع من يحمى الباب الموروب من الإعصار

سميتك راية بلدى إذ يرفعها أول من يصل إلى الأسوار

يا من وصفتها كل مواويل الرعيان الفقراء

وشدتها كل أغانى الفلاحين

يا من كتبتها أيدٍ سمراء نحيلة

فوق الجدران الضيقة السوداء

لتحتضن الشمس

إنى أقرأ فى عينيك الزمن القادم

ولهذا أتحمل عبء حياتى

نشوان

وظهرى يرزخ تحت الأحمال

أبتسم وإن ساءت كل الأخبار

وأسير وفى ظهر الخنجر

فأنا أومن أنى قادر

أن أمضى لنهاية درب النذر المفتوح على الأخطار

ما دمت تمرين براحتك الخضراء على جرحى

ما دامت شفتاك تقبل مفرقى المتعب

ما دمت مهددة مثلى

فى نفس الدرب

ومن نفس الخنجر!

تأتينى ليلة أن رسموا لحبيبى دائرة

كالقرش المثقوب وقالوا:

لا تتخطاها

كى نرضى عنك

وقال حبيبى: لا،

فغدًا دائرة تحتضن بلاد الله بمن فيها من أجيال الفقراء

خرج حبيبى من دائرة القرش المثقوب إلى البيدر

وكحبات القمح توزع بين سهول المنذورين

وغدًا دالية يزرعها معتقل فى ليل تؤنسه فى ليل المنفى

تطعمه عنقودًا كل مساء

أصبح ظلاً للماشى فى قيظ الوهج الظهرى

إلى القدر الآخر

خرج حبيبى من دائرة القرش المثقوب

واختار لمولده يومًا آخر

فاتسع الوطن

كما يتسع الأفق أمام المهر النافر!

 

(2)

 

 أناشيد الورد والنذر

 

أنا يا رضوتى الراعى الذى مزماره القصبى لا يتعب

أغنيك

عتابًا، ميجانًا، شعرًا أسميك

وحقلاً لليمامات الصغيرة

تطلعين الزاد للأغنام الرعيان

هل لى أن أساويك

سوى بالبيت والوطن الذى تعطيه كى يزهو فيعطيك

وهل لى أن أساويك

سوى برنين باب السجن حين يرن منفتحًا على الشمس

وهل لى أن أساويك

سوى بعذاب وادى النيل أو بتوجع القدس

خذى صوتى الذى

ينساب متجهًا إليك

مضيع الخطوات عبر مجاهل الدرب:

ألا يا ظبية شردت وراء البحر

إنى طفلك الراعى

وأنت الأفق أمشى نحوك، اقتربى.

فخرفانى الصغيرة، أسطرى، شعرى نأت عنى

ولست أنا بصياد لأفزع ظبية شردت

ولكنى أنا الراعى

الذى مزماره القصبى لا يتعب

أغنيك

عتابًا، ميجانًا، شعرًا أسميك

وحقلاً لليمامات الصغيرة

يطعم الرعيان والخرفان، قال الجوع: إنى ضيفك الأبدى منذ الآن

ها أنى أناديك

وأركض نحوك، اقتربى

وأركض أركض، اقتربى

تعالى أحتضنك فتهطل الأمطارفى الصحراء والجرد

تعالى ربة للخصب أحملها على زندى

أطوف بها بلاد الله والفقراء

أكرز فيهم اسمك

أقول: علامتى صوتك

أقول: علامتى وجهك

أقول: علامتى جسدك

تعالى وابعثينى أمةً، وطنًا،

رجالاً يخرجون إذا مددت إلى أديم الأرض اصبعك

الذى إن قال: كن. فيكون..

تعالى أحتضنك ينور النوار

تطلع نبعة فوارة فى الأرض ما بخلت على أحد

تعالى خلصينى من تعودى الحياة على مدار العام

واخترقى

تكرر أوجه الأشياء

تعالى وادخلى جسدى..

تعالى وادخلى جسدى!.

وليس برفق من يتجنب الأشواك حين يداعب الزهرة

ولكن

مثل عاصفةعلى شجر الصنوبر فى الشتاء

ومثل تنقل النيران فى الحطب

توجوج فى جفاف الجذع جامحة:

فكل شرارة نجم

وكل توهج جمرة

تعالى مثل مكتشف

يمزق بعد رحلته خرائطه القديمة

غيرينى وادخلى جسدى

كعصيان على متن السفينة

تستبد بها رياح البحر (يا أشياء كونى

كيفما شئت

ويا صارى السفينة اعبر الماء وحيدًا أو تكسر)

تعالى صيرينى مثلما الزيتون تعصره الرحى زيتًا

ينير سراج بيت فى قرانا

ويمهر حلوة زفت لفلاح ترقب ثروة الموسم

تعالى وادخلى جسدى

كهبة ريح

يصلى ألف بحار لمقدمتها

توقفت السفينة فى أعالى البحر

من شح الرياح بهم

وفى أقصى الموانى ترقب الحلوات عودتهم

وصمت الريح منفى

والبحار الزرق منفى

والوليف على انتظار

والشراع كراية فى يوم حزن نكست

هبى عليه

وأرسليه على مياه البحر

راية ظافر عائد

وهبى

على شاطئهم يلوح، يلوح فى كل المرافئ

رفة المنديل

فى أيدى الصبايا

وتخبرهم نوارس شاطئ الأحباب

أن الوافقين على الموانئ صادقون

وأن موج البحر كاذب.

تعالى وادخلى جسدى

كرش هب من خرطوش صياد على الدورى

كونى الآن لاذعة

كأحلى ما تكونين

ادخلى جسدى

كما الشلال يدخل أول النهر

أرسلينى جدولاً

فى صخر بلدتنا

لتشرب منه

مهرة جدنا الشهباء

إن عطشت

وتهبط قرب شطيه

الحمائم والسنانير المزغدمة الجميلة

ينبت النعناع فى جنبيه

يرقص حوله الحجل

تعالى

وأرفدينى

ولنكن نهرًا

عظيمًا ما له مثل

نغذ السير بين نواتئ الصخر

ونركض: علنا نصل

عيناك. تطول حكاية عينيك

فرس أطلقها البرق من الشرق

لمحتنى، حملتنهى عبر التاريخ إليك

ها هى تعدو فوق بيادرنا

المرشوشة بالأمطار التشرينية

تعدو فوق الموج

فيلتفت الفلاحون

رفعوا أجسادهم التعبى عن غرس الزيتون

والتفتوا:

فرس تعدو فوق المرج

… يعودون لجنى المحصول

……….

……….

فهاتى نظرة فى البعد أجلس فى مساحتها

كطفل بعدما عوقب

يقرفص صامتًا ويغالب الدمعا

يظل معلق النظرات يرسلها إلى أمه

كأن صلاة كل المؤمنين تحل فى جسمه

فيخشع بين أيديها

وقد يضحك

وقد يبكى

فهاتى نظرة فى البعد

أجلس فى مساحتها

كطفل بعدما عوقب

وأسكن فى هدوء الليل

إجلالاً لما تخفيه عيناك

……….

……….

وحدى أحمل أفارح الغابات السرية

والأنهار السرية، عباد الشمس

وأجنحة يمامات بلادى

أحملها

أحمل قاعات الخطباء الشبان بليلات البرد الكانونية

أحمل بطانيات المعتصمين وأحمل أرغفة بلدية

أحمل أحزان الغابات السرية

والأشعار وكل مواثيق المطلوبين

أحمل باقات النرجس من “عين الدير”

تلذعنى رائحة الزعتر فى وديان بلادى

وأرانى حلوًا،

خيالاً تحكيه مواويل القرية

تحملنى فرس البرق الأسطورية

وأرانى منتصرًا عبر هزيمتى الأسطورية

فانبعثى أيتها الفرس القادمة من الشهب

طوفى مع جنيات الماء

بأنهار بلادى

فلعل الأمواج الوردية تبحر

بسفائن كل الأطفال الفقراء

يقفون، تحدق أعينهم فى الأفق الغسقى النائى

ويغنون بصوت واحد

هيا:

لموا أسماككم السوداء لنبحر

وتزغرد جنيات النهر وأشرعة السفن

وتجن مياه النهر بأغنية الأطفال الفقراء:

“أبحرت كل المراكب

هربت كل الثعالب

يا غراب الجوع لا تنعق علينا

أصبح المغلوب غالب

هللويا”!

عيناك. تطول حكاية عينيك

فرس أطلقها البرق من الشرق

لمحتنى،

حملتنى

عبر التاريخ إليك

فسكننى شعر الورد وشعر النذر

أن أبحر ضد الماء

أعانق أشجار الزيتون

المثقلة بزاد الفقراء

أمتزج مع الأغصان الخضراء

مع الأوراق الخضراء

وأعرى صدرى للريح، ولا أسقطإلا مع آخر ثمرة

ويدور غنائى مع دورات الريح بأعلى الأشجار

عبر سفوح الوطن المزروعة تنتظر الأمطار:

ما دامت عيناك دليلاً لنشيدى

فأنا شاعر

وأنا والشعر لعينيك

 

(3)

 

صعدت كل الأفراس البيضاء لأعلى التل

 

تأتينى أمسية ترقبنا وقع الأقدام

على درج البيت

والطرق الوحشى على باب النائم

“ها قد جاؤا فى طلبك”

“لا.. لم يصلوا. بعد”

وعيونك يا زوجتى اتسعت ببهاء البحر

الواثق من عمقه

كانت عيناك الخائفتان قليلاً

والعارفتان كثيرًا

أقوى منهم

أقوى من وقع الأقدام على السلم

كانت أيديهم لا تتسع

إلا لحديد القيد المغلق

أما أنت

فتتسع يداك لحمل العالم

يسكنها الوطن وحب المخدوعين الآتين لأخذك

من غرفة نومك قبل الفجر

ومن بين يدى

من بين رموش الوطن المستيقظ يرقبهم.

.. ويصلى لك!

***

يا زوجتى الغائبة بعيدًا

أتوهم فى ليلى أن النوم عميق

لكنى أستيقظ كل صباح عند الفجر

فتطل مع الفجر قصيدة

تسألنى عنك

لا أبكى

أذهب لحظات لسريرك

تستيقظ منه قصيدة

وتقول: “صباح الخير”

وأقول: “صباح النور”

آخذها من كفيها الورديين

وأعود إلى قلمى وإلى الدفتر

تجلس بجوارى

واضعة راحتها فوق الخد

تسألنى عنك

لا أبكى

انظر للمكتبة الهادئة كما كانت دومًا

فى ركن البيت

وأرى أوراقك ألمسها

ترتعش على شفتى قصيدة

تسألنى عنك

لا أبكى

وأمد يدى إلى ألبوم الصور الأحمر

فتطل قصيدة

تنشر قصائدك، تحيط بطاولتى

نتحدث عنك طوال الليل

وتردد كل قصائدك نشيدًا فى الأحلام

“أمى تركتنى عند الفجر

أمى ذهبت بعد البحر

هاتيها يا فرس الشعر الفضية

وسأسقيك حليبًا مسحورًا

يحملك إليها

فتعالى يا آلهة السحر

واسقى الفرس الفضية حتى تشبع

وانتظريها حتى ترجع”

تعدو الفرس المسحورة تبحث عنك بعيدًا. بعد البحر

ويجئ الظهر

ويجئ العصر

ويطل الفجر

ويمر نهار آخر!

***

تخرج فلاحات قرانا

يحملن دلاء

يرشقن سماء القرية برذاذ الماء

ويغنين نشيد الاستسقاء

يا رضوى

وأنا أستسقيك

ودلوى مملوء بزهور الأشعار

أرشقها بين يديك

وأدور سبع أساور فى زنديك

أرشق منها بين نهودك فلة

أفرشها فوق طريقك

يفرغ دلوى المملوء، فهل يأذن محبوبى لحظة

لأعود إلى بيتى البرى النائى

كى أحضر دلوًا آخر

مملوءًا بزهور الأشعار

أرشقها طول الموسم بين يديك،

وفوق طريقك

فأنا

كالفلاحات بقريتنا

أخرج فى الليل لأستسقيك تهلين على

يخضوضر فى بيتى البرى العشب

وينفخ الليلك

وأظل أطوف حوارى القرية

أستسقيك فهلى، هلى،

هطلت أمطار الفلاحات

فغنين نشيد الشكر لآلهة الأمطار

وروحن

وأخلين الساحات

أما شاعرك الواقف

ما زال يغنى وحدة

غطاه ندى الليل وكلت قدماه

لا يسمعه إلى راعى الليل، يسوق النجمات

يا رضوى باحت لى أصغر نجمة

(إذا غافلت الراعى الغيران من الشاعر) عن وجة راعيها قالت:

“راعينا يأخذنا الليلة بحثًا عن رضوى

فتعال لعلك تلقاها”

يا رضوى

إنى والراعى والنجمات نسير إليك الليلة

وأنا والراعى والنجمات تعبنا ونعسنا

هل تأتين؟

***

يسألنى أطفال الحى

اللاهون وراء فراشات العصر:

هل أنت اليوم بلا أختك؟

فأقول لهم:

أختى ذهبت بعد البحر

فانتقلت غابات اللوز الأخضر

بعد البحر

أختى ذهبت بعد البحر

فانتقلت أشتال الزيتون الذهبية

بعد البحر

وأقول لهم

العالم

يرحل عنى بعد البحر

وأنا

أتحمل وحدى

يا أطفال الحى

اللاهين وراء فراشات العصر

مهمة أن أحيا!

***

حين ذهبت

مالت أزهال اللوتس نحو الماء

ومدت كفيها تستبقيك!

***

حين ذهبت

حقل من عباد الشمس تلفت نحوك

وتخلى عن وجه الشمس

***

حين ذهبت

صعدت كل الأفراس البيضاء لأعلى التل

تنتظر تفتح زهرات الوادى

كى تعرف أنك عدت

***

حين ذهبت

تغير معنى الطرق على الباب

وتغير عنوان البيت

***

يا رضوى الغائبة بعيدًا

بعد البحر

ها نحن حملنا باقات الورد الأحمر

وتوزعنا

فى كل مداخل بلدتنا

ننتظر خطاك

صوت صهيل حصانك

وجهك يبزغ شمسًا فوق الزرع الطالع

يا رضوى

الزرع الأخضر طفل

القمر الأحمر طفل

والعالم طفل

فتعالى

ها نحن توزعنا فى كل مداخل بلدتنا

ها نحن حملنا باقات الورد الأحمر.

مريد البرغوثى

 

رَضْوىَ

قصيدة للشاعر الفلسطينى

مريد البرغوثى

د. لطيفة الزيات

 

(1)

هذه قصيدة حب كتبها شاعر فلسطينى شاب لزوجته المصرية “رضوى”. وبهذه القصية أحتفى كإنسان وناقدة، كما لم أحتف بعد بقصيدة حب كتبت بالعربية.

وقد عرفنا شعر الغزل وأبدعناه من الجاهلية إلى انتهاء عصور الإبداع فى الإسلام، وعرفنا شعر الغزل وأبدعناه فى الشعر العربى الحديث. وتفاوت موقف الشاعر من المرأة كإنسان من الحد الذى يدعوا إلى الإكبار والإجلال إلى الحد الذى يدعوا إلى الاشمئزاز والاستنكار، من الحد الذى يربط بين المرأة والممستقر والوطن والأمل والغد إلى الحد الذى يحيل المرأة إلى سلعة وأداة متعة وفريسة صيد “مخيطًا من جلد النساء عباءة، وبانيًا أهرامًا من الحلمات”!!

والجديد فى هذه القصيدة أنها ليست قصيدة غزل، بل قصيدة حب، ومن ثم فاللغة العربية هنا تتمخض عن “أراجون” “إيلزا”، وعن “أجمل الكلمات” التى لم يقلها ناظم حكمت لزوجته. فالقصيدة هى قصيدة حب لأنثى فريدة ومنفردة، وهى فى ذات الوقت قصيدة حب للأنثى الحياة: الخالقة والثائرة، المانحة والعاصفة، المتدفقة كالإعصار والحنون حنان الأم، أنثى الخصب والنماء وعناصر الطبيعة الحية الدائمة التجدد والعطاء، وخبز الجائعين ووقود ثورتهم والظل للناجين من “المأساة” وللماشين “فى قيظ الوهج الظهرى إلى القدر الآخر”، وجسد الوطن وحامية “الباب الموروب” المؤدى إلى “الزمن القادم”.

ويمكن من باب التبسيط أن تٌقسّم القصيدة الطويلة التى تقدمها مجلة الكاتب للشاعر الفلسطينى مريد البرغوثى إلى ثلاثة، وإن اندرجت فى بعضها البعض اندراجًا عضويًا. وفى القسم الأول يستبد الرمز بـ “رضوى” الفرد فتستحيل إلى رمز خالص، وفى القسم الثانى يختلط المستويان الرمزى والواقعى، ونحن نرقب تجربة حب تتسم بالشمولية والخصوصية فى ذات الوقت، وفى القسم الثالث يفسح الرمز المجال للتجربة الخاصة، ولكن الرمز لا ينحسر تمامًا، لأن “رضوى” تبقى رمزًا للنهاية. وبدون كل الأصداء الرمزية التى تكتسبها “رضوى”فى القسم الأول والثانى من القصيدة يستحيل علينا أن نتقبل رضوى كمجرد إمرأة عاشقة ومعشوقة فى القسم الثالث، لأن “رضوى” فى هذا القسم هى كل الرضوات اللاتى ننتظر، “فى كل مداخل بلدتنا” عودتهن وقد “حملنا باقات الورد الأحمر”.

ويرسى المقطع الأول النغمة الأساسيةالتى تدور حولها القصيدة بأقسامها الثلاثة، بحيث تصبح كل القصيدة بما بما فيها من أبعاد رمزية وأبعاد واقعية تنويعات على نفس التيمة، فحب “رضوى” يدخل الشاعر ويشرق وجه القصيدة، ولكن لا حب “رضوى” بحب الأنثى فحسب، ولا قصيدة “مريد” بقصيدة شعر فحسب، فبين “رضوى ومريد” مصر وفلسطين والبشرية فى ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وبين “رضوى ومريد” الجوعى والعطشى والفقراء والمحرومون والمتحرقون للحرية والثائرون والمنذورون للدم وللسجن والماشون إلى “القدر الآخر” وإلى “الزمن القادم”. وكل هؤلاء فى ضمير الشاعر هم “رضوى” والقصيدة معًا، وكل هؤلاء يصيرون “رضوى” فتصير، ولأنهم يصيرونها فهى تصيرهم ويصير الشاعر.

والأسلوب الذى يستخدمه الشاعرأسلوب يجعل المزج بين كل المستويات التى يخلقها فى القصيدة مزجًا عضويًا، فصوره هى مزيج من الصور الفلسطينية الأصيلة والمصرية الأصية، بل إن شعره يكشف أحيانًا، وخاصةً فى الأجزاء التالية لهذا القسم عن تأثر بالأشعار الفرعونية القديمة. وقاموس الشاعر يجمع بين الألفاظ المصرية المميزة، وبين الألفاظ الفلسطينية المميزة أيضًا. ويوظف الشاعر كل هذا فى خدمة المعنى الذى يتجاوز كلا من مصر وفلسطين إلى البشرية جمعاء.

و “رضوى” الرمز فى القسم المنشورفى هذا العدد تصير وتصير، تكون وكانت وستكون فى هذه الحركة الديناميكية الدائبة. و “رضوى” هى قمح الجوعى، وهى تولد من خبز الجوعى، وهى دائرة الأشكال التى تحتضن الكون الطفل، وهى تبعث الخصب، وحينما ينبعث الخصب تصير، وهى جسد فلسطين وجسد مصر، وهى عاشقتهما. وهى وشاعرها فى درب العشق سائرين مع فقراء العاشقين لا يدرى أيهما “من فينا المعشوق ومن فينا وطن المعشوق”. وتتسع الدائرة متجاوزة مصر وفلسطين واللحظة الحاضرة إلى الماضى والمستقبل، و “رضوى” تخرج عن الدائرة المرسومة لها فتغدو “دائرة تحضن بلاد الله بمن فيها من أجيال الفقراء”، وتصبح أول مقتول خلف متاريس الكوميونة”، “وأول عاشقة منذ الطوفان” وأول من سيرفع راية فلسطين خلف الأسوار. وهى “حبات القمح توزع بين السهول المنذورين للدم”، وهى شجرة “يزرعها معتقل تؤنسه فى ليل المنفى.. تطعمه عنقودًا كل مساء”. وهى قبل كل هذا وذاك ثائرة اختارت لمولدها يومًا آخر، يوم اختارت أن تثور.

 

(2)

 

فى الجزء الثانى من قصيدة “رضوى” يمزج الشاعر ما بين المستويين الرمزى منهما والواقعى. ويقتضى هذا المزج اخضاع

المستوى الواقعى للمستوى الرمزى الذى يضفى على القصيدة ككل وحدتها العضوية.

و “رضوى” فى هذا الجزء من القصية هى الأنثى الفريدة والمتفردة، ولكنها أيضًا الأنثى الحياة والخصب والنماء وعناصر الطبيعة الهادرة والعاصفة والمتدفقة ودائمة التجدد والعطاء، كما هى فى القصيدة ككل.وتبقى فردية رضوى المتميزة مصدر غنى لرضوى الحياة حتى تستبد التجربة الفردية بالشاعر طافية على السطح ومهددة للرمز، ومنتقصة من وحدة القصيدة. ونادرًا ما تستبد التجربة الفردية الشاعر فى القصيدة ككل. وقليلاً ما تستبد به فى هذا الجزء.

وتبلغ القصيدة قمتها الفنية حين يتم بنجاح المزج بين المستويين الواقعى والرمزى فى إطار الوحدة الفنية للقصيدة،وتبرز الإمكانيات الفنية التى ينطوى عنها هذا المزج فى مقطع القصيدة الذى يبدأ بنداء رضوى، وينتهى بالنهر العظيم يشق نواتئ الصخر أملاً فى الوصول.

ونحن نجد أنفسنا أمام تجربة فنية يمتزج فيها ما هو مفرط فى خصوصيته، وما هو مفرط فى عموميته أيضًا. والصور تتوالى واحدة بعد الأخرى لتكشف عن حب فردى مميز بتفرده هو فى ذات الوقت حبنا الذى نعرفه. فهذه الـ “رضوى” التى “توجوج فى جفاف الجذع جامحة” هى “رضوى” الشاعر ولكنها فى ذات الوقت “رضوتنا”. لأنها حبنا الكبير للحياة التى ترسلنا نجمًا وجمرًا وزيتونًا وزيتًا وجدولاًَ ونهرًا. والتجربة فى تفردها تغنى التجربة فى شمولها. فنحن نتعرف على الحياة كما لم نتعرف عليها من قبل لأنها تأتينا عبر تجربة الشاعر الخاصة، مكثفة ومحملة بأصداء هذه التجربة الفردية الفريدة.

غير أن الزمام يفلت من الشاعر فى نفس المقطع فى أكثر من موضع وتجربته الفردية تستبد به مخلة فى التوازن بين الخاص والعام وبالتالى بوحدة القصيدة. فلا يتأتى أن تتحول حقول الأغنام والرعيان واليمامات الصغيرة وربة الخصب نحملها على زنودنا، وسراج البيت فى قرانا والعاصفة على شجر الصنوبر فى الشتاء إلى ظبية تشرد وراء البحر، بكل ما تحمله الصورة من إيحاءات فى الشعر العربى. وربما كانت هى الظبية ظبية الشاعر الذى ليس بصياد، ولكن الصورة تقصر قطعًا عن الرمز المتصل، أى عن تصوير الأنثى الحياة. وفى جزء آخر من نفس المقطع يختل نمط أرسى فى القصيدة ككل. ففى القصيدة يصير الناس “رضوى” فتصير، ولأنهم يصيرونها فهى تصيرهم، ويصير الشاعر. وفى هذ المقطع تفتن حركة الصيرورة هذه الشاعر فيحملها إلى حيث لا تحتمل فى مبالغة لا تنأى عن نمط القصيدة ككل وذلك حين يقول: “تعالى وابعثينى أمة، وطنًا”.

ولكننا لا نلبث أن نستعيد توازننا والشاعر يستعيد توازنه. وما أجمل أن نتعرف على “فرس البرق الأسطورية” التى تحملنا منتصرينعبر هزيمتنا الأسطورية. فنحن ذوى “الأوطان المزروعة تنتظر الأمطار” ، ونخن الذين “يسكننا شعر الورد وشعر النذر” ونحن الذين “نعانق أشجار الزيتون المثقلة بزاد الفقراء” نعرف معنى انتظار فرس البرق الأسطورية ومعنى الإبحار ضد الماء لملاقاتها وصدورنا عارية للريح” ومعنى التلهف على أن يصبح ” المغلوب غالبًا”.

 

(3)

 

فى الجزء الثالث والأخير من قصيدة “رضوى” يتاح لنا أن نرقب لمحة من رضوى الإنسان قبل أن يطبق المستوى الرمزى مكملاً للدائرة ومبقيًا على وحدة القصيدة ككل.

ومن بين آلاف الزوايا التى يمكن أن تكشف عن “رضوى” الإنسان يختار الشاعر الزاوية التى تعنينا والزاوية التى يتأتى إخضاعها للمستوى الرمزى، ومن بين مئات اللحظات التى تصور هذه الزاوية يختار الشاعر اللحظة التى تجسم قمة الحب والعطاء وتتغنى بمدى ما ينطوى عليه الإنسان من قدرات على دحر القوى القاهرة للإنسان، إن “رضوى” بعينيها الخائفتين قليلاً هى كل الرضوات بخارجنا وهى كل الرضوات بداخلنا، إنها الاحتمال الكامن دائمًا وأبدًا وراء عينين خائفتين قليلاً، عينيك وعينى وعينى كل إنسان قادر – لأنه إنسان – على أن يحب الإنسانية، وأن يدفع ثمن هذا الحب عرقًا ودمًا وسجنًا وتشريدًا.

و “رضوى” تصلنا فى هذا الجزء محملة بالأصداء الرمزية، تصلنا أكثر من “رضوى”، وأكثر من كل الرضوات، وهى الحياة الأنثى والثورة والتجدد كما لا يلبث المستوى الرمزى أن يؤكد، ولأنها كذلك فنحن ننتظر أن يفرج عنها مغتصبوا الحرية ولا نكل الانتظار، وهى تعنى لنا كرمز، كما ينبغى أن يكون الرمز الجيد عشرات الأشياء، وربما عنت لنا أكثر مما تعنى للشاعر بكثير. ونحن ننتظر عودتها: غدًا أفضل من يومنا، وارتوء بعد جفاف وحركة بعد جمود، وفرحة فى عيون الصبية وطمأنينة فى عيون المرهقين والكادحين والآملين فى الصبح الجديد، ننتظرها أشعارًا وأمطارًا يهل لمجيئها شتاؤنا السحرى، ويخضوضر فى بيتنا البرى العشب ، ننتظرها غابات لوز، وأشتال زيتون ذهبية، وتفتحًا لزهرات الوادى.. وادينا الكبير والصغير، وفى مداخل بلدتنا نتوزع والزرع الطالع يهفو إلى شمسه وفى مداخل الكون نتوزع، والقمر الأحمر طفل وما أحلى أن يشب عن الطوق، وفى انتظار أن يفعل ننتظر وفى أيدينا الورد.. وردنا الأحمر.

لطيفة الزيات

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق