التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

عروس المولد

 كتبت: رشا سنبل     

 

تهافتت أجزاء السكر متناهية الصغر فرحةً بما سينالها من تشكيل، تسارعت إلى قالب من قوالب عم محمود العديدة بمصنع الحلوى الخاص به، تحت منزله القديم المتوارث، مثل مهنته المهددة بالإنقراض، تتنقل من يد إلى يد حتى تصل ليد زوجته، التي تستعد لوضع لمساتها الأخيرة على كل عروس ستخرج لدنيا الناس لتستقبل حياتها القصيرة معروضة على فاترينة إحدى المحلات بالسيدة زينب بجانب المقام المشرف بالسيدة الطاهرة.

وسط زحام الجموع المقبلة على المولد تتعلق عينان عسليتان صغيرتان بإحدى العرائس الملونة، تجذب سلوى ذات الضفائر الذهبية والعشر سنوات طرف جلباب أبيها بإصرار، ملحة على والدها أن يجلبها لها فهى أحبت تلك العروس ذات التاج المفضض على رأسها والكرانيش الملونة الكثيرة على فستانها.. يستجيب الوالد تحت دموع الصغيرة.. وبعد مفاصلة في ثمن العروس تحتضنها سلوى بمحبة تختلط بفرحة انتصار على رجل البيت الوحيد، تظل تكلمها طوال الطريق حتى البيت، فى إحدى القرى القريبة من القاهرة، حوارا حارا لا يقطعه سوى قبلاتها لها كل حين، تُخبرها عن جلبابها الجديد ذو الألوان الذي خاطته لها أمها، تهمس لها :

  • ده ملون وجميل زي كرانيشك بس إنتي مش هاتجدري تشوفيه لأن العبايه مغطياه.

تصل سلوى بعروسها الحلاوة إلى مكان مميز فرشته لها خصيصا بالجرائد، وبلغة الهمس تُلقي عليها التحية صباحا ومساء تحكي لها عن أحداث يومها. ويوم بعد يوم توطدت العلاقة بين سلوى وعروستها، أصبحتا كيانا واحدا، يناجي أحدهما الآخر بلغة خاصة لا يفهمها سواهما،  حتى جاء يوم شعرت سلوى بحركة غير عادية بالبيت.. ضيف لا تعرفه دخل إلى بيتهم الفقير معه عُلب ملفوفة بأشرطة ملونة أخبرتها والدتها أنها لها، تساءلت سلوى:

  • لي آني لوحدي يا أمه!

تجاوبها أمها:

  • إيواه.. البنتة كبرت جوام وبجت عروسة مليحة.
  • آني عروسة يا أمه! زي عروستى يا أمه !
  • أُمال أحلى من عروستك كماني. تعالي جوام لما أسرحك وأجملك يا سلوه، لجل ما يشوفك الضيف اللي جاعد مع أبوكي.

يناديها الأب وينظر لها الضيف نظرات فاحصة لم تفهمها، ثم يقوم بتصويرها على موبايله الخاص ثم يوجه كلامه للأب:

– خلاص يا حاج توكلنا على الله.

أتي اليوم المنتظر، نزلت يد النساء عليها تزيل ما تزيل وتضع ما تضع، وبعد ساعتين في الحمام بين بكائها وندائها غير المسموع أنها تتوجع، انسكب الماء عليها ليغسل كل ما علق بجسدها الصغير من بقايا الحلاوة، لُفت بمناشف كبيرة، دُهن جسدها بزيوت مرطبة مختلطة بماء الورد، ومُشط شعرها وفُرد، قامت إحدى النساء بوضع الرتوش الأخيرة على وجهها الصغير بمساحيق أثقل من رقة وجهها البرىء، ووُضعت عليها ملابس جديدة، وجاءالضيف.. أخذها ودخلت معه لبيت به صغيرات مستعدات معها للعرض في فاترينة للشاري المتحمس! علت الزغاريد ووُزع الشربات.. تفتت عروس سلوى الحلاوة بعد أن تجمع عليها النمل ليأكل جسدها السكري بنهم..

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق