التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

إضغط للدخول .. التفاصيل تنبض بالحياة

كتب: محمود حسني

محمود حسني
محمود حسني

 

 

 

 

 
غلاف المجموعة

ثماني قصص هي ما تشكِّل إنتاج أحمد سعيد الإبداعي في مجموعته الجديدة (إضغط للدخول – دار ميريت – 2015) وهي ثاني عمل له بعد مجموعته “كأنه حيّ” التي فازت بجائزة ساويرس فئة الشباب 2013.

التنوع الشديد في الأفكار التي تطرحها كل قصة هو أول ما يجذب الانتباه. فالتنوع هنا يأتي على أكثر من مستوى ما بين الفلسفي، السردي، والإبداعي. كل قصة من قصص المجموعة تعرض نظرة مختلفة للأشياء التي تحدث حولنا دون أن ننتبه إليها. هذا الاختلاف في الطرح يحدث مرة من ناحية رصد التفاصيل اليومية، أو الفانتازيا السياسية، أو التاريخية. ينقش الكاتب أفكاره المؤرقة في ذهن القاريء. هذا التصوير الملموس الذي يطغى على العمل يبدو وكأنه محاولة لرسم لوحات تعبيرية أكثر من كونها عملية كتابة أدبية. ربما يمكن القول أن إنسانيتنا تظهر بتناقضاتها وخباياها في هذا العمل.

في القصة الأولى بعنوان “مقام الشيخ جرجس” يظهر الوصف المشهدي لمسيحي مشرد يدخل مسجد قبل صلاة الفجر حيث تتجلى ذروة الأحداث عندما يرى أحد المصلين الصليب على يده فيسأله إن كان قد أسلم، فيصمت جرجس ويتماهى معه في الحديث، يقول صوته الداخلي لم تكن لتحلم بأفضل من هذا يا جرجس، كل مشاكلك ستذهب إلى زوال، النعيم هو مستقبلك، كل ما عليك فعله هو أن تسكت، صمتك وحده طريقك إلى الهناء والسعادة …” (ص14)

لا ينتهي الأمر عند هذا، حيث يبدأ المصلين محاولة استغلال هذا الغريب، فيقترحوا على بعضهم البعض أن يقيموا له مقام تخيلوا لو بنينا له هنا فى قريتنا مقاما نتبرك به.. تخيلوا كيف ستجعل قصته قريتنا مزارا لآلاف من سكان النجوع والقرى التى حولنا … فكرة لا بأس بها .. ستنعش التجارة وتقوي إيمان النفوس الضعيفة” (ص16)

في “أسطورة زهرة اللوتس” تتجلى الفانتازيا التاريخية بوضوح. ترى إسقاطات على سلطة رجال الدين، والسياسة. الوهم الذي يزرعه الكهنوت في النفوس من أجل مصالحه والمجد الشخصي للحاكم. كيف يمكن أن يتحول البطل الحقيقي إلى شخص مجهول ويعاقب بعد كل سعيه لرضا الحاكم. يقول كبير الكهنة في مصر القديمة “إنهم لا يدرون تحديدا إذا كان العامل المصري يستحق التهنئة أم أنه قد يكون متواطئا مع الجهة العدوة … إننا يا مولاي نخاف أن يظن الشعب أن الآلهة اختارت هذا العامل ليجلس بجوارك على العرش أو يحل مكانك …” (ص56)

 

تحيلنا قصة “إضغط للدخول” إلى كيفية النظر إلى المرأة باختلاف المجتمع والثقافة. ما الذي يمكن أن يحدث عندما يعرف صديقك المصري المدمن على مشاهدة الأفلام الإباحية أن زوجتك الأجنبية تمثل في هذه الأفلام! كيف يمكن أن تصف مسارات القدر المتشابكة الي جعلتك تصمم على الزواج منها! هذه الواقعة العصيبة نفسيا تصل لشدتها في المواجهة بين الصديقين، فيقول زوج الأجنبية لم تكن فى حاجة لأن تضع المزيد من النقود فى جيب المنتج المقزز الذى كاد يقتلنى، أنا لا أريد أن أقابلك مرة أخرى, لأنى فى أوروبا تعاملت مع المجتمع هناك بعقليته وتفكيره، بعاداته و تقاليده، تقبلت نفسى فكرة الزواج من فتاة عاشت حياة لا يشرف بها أى شرقى، لأن حياتها بالنسبة لهم لم تكن معظمها خاطئة، لن يحاكموها مثلما سنحاكمهاولكنى الآن هنا فى مصر أجد نفسى أبحث برجولتى الشرقية عن سبب يجعلنى أتقبلك كصديق لى بعد أن سعيت لكى ترى جسد زوجتى عاريا أمامك.” (ص97)

أما القصتين “استفتاء” و “عصابة العين”، فتتشاركا الفانتازيا السياسية والاجتماعية المستندة إلى روح الواقع القاتمة. في الأولى يقوم رئيس الدولة في زمن غير محدد بدعوة جميع سكان البلاد للمشاركة فى استفتاء والذهاب لصناديق الاقتراع والإجابة على اسئلة. وكل من يكتب الاجابات الصحيحة له جائزة فورية مما دفع البعض لوصفها بجائزة وهمية. تقول الشخصية الرئيسية في القصة “وكان التغير الجذري في حياتي… تركت مكاني في الطابور، حاول والدي أن يقنعني بالعودة للوقوف خلفه حاولت بدوري ان أقنعه بأنه لا جدوى من وقفته اليومية.. نهدر أعمارنا في طابور لا ندري يقينا ماهيته الحقيقية أو الهدف المؤكد منه.” (ص107)

تظهر الإسقاطات الوجودية في “عصابة العين” بشكل أكبر من أي قصة أخرى. فكل أفراد المجتمع وضعت على أعينهم عصابة سوداء وهمية تحجب عنهم الرؤية (الحقيقة) وعندما يتمكن بطل القصة من نزع العصابة ويحاول أن يخبر الناس بالأمر يصطدم برفضهم للتصديق وبآخرين يمكنهم الرؤية ولكنهم ويستغلون نظرهم في كل شر، فهناك من يسرق ومن يغتصب.

هذه المجموعة تلخص واقع العالم اليوم كما يقول الكاتب والمترجم د.عادل الميري. ما هو أكيد أيضا أننا سنرى وجودنا من زاوية مغايرة خلال هذا العمل.

 

نقلا عن مجلة إبداع 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى