التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

تذكرة

كتب:خالد ابوعليو                            

 

اتردد كل شهر على محطة قطار السكة الحديد؛ لأستقل القطار المتجه إلى الصعيد، أدلف عبر إحدى البوابات إلى الصالة الفسيحة للمحطة وظهري مثقلاً بحقيبة هدومي وكاهلي يتمايل من أعباء الحياة، الزحام هنا سيد الموقف، رجال شرطة يرفلون في ملابس بيضاء، كبار في السن يتلكأون في دفع عربات معدنية محملة بحقائب المسافرين نظير مبلغ زهيد من المال، وهناك في كل مكان عمال السكة الحديد الذين يتميزوا بملابسهم الزرقاء التي تشبه ملابس السجن على الرغم من أنهم يعملون في لا مكان ثابت ولا بلد بعينه، الحركة والسياح في ملكوت الله هي مهنتهم، تركت الأمر ! تسللت بنظري إلى اللوحة الإلكترونية التي تؤكد ميعاد قيام القطار في تمام الثانية عشر ظهرًا، دائمًا القطار يأتي متأخرًا لكنى لم أتوقف عن النظر إلى اللوحة في كل مرة، ربما أسري عن نفسي ملل الانتظار، توقفت قليلاً لأنظر في الساعة ثم رددت في نفسي: مازال هناك متسعًا من الوقت. توجهت مسرعًا إلى صالة حجز التذاكر لابتاع تذكرة خاصة وأني سأقطع مئات الكيلومترات التي يلزمها الراحة والاسترخاء علي أحد المقاعد الغير مريحة أصلا داخل القطار وإلا اضطررت لقطع الطريق منتصب الأقدام وعضلاتي متصلبة متكلسة، على الأقل إن جلست سأزيح العناء عن أقدامي ومفاصلي، أما أوجاع الظهر التي ستزحف من خلفي سأترك أمرها لأمي التي تنتظرني بلهفة واشتياق لتدلكها وتفكك شفراتها العصبية بحنانها ولمستها العطوف،

وصلت إلى صالة الحجز، رأيت فيما يري أي مواطن في مصلحة حكومية مصرية ثمانية نوافذ زجاجية يقبع خلف كل منها مقاعد وثيرة خاوية تركها موظفوها جميعاً وباتوا يتسامرون معا في منتصف الغرفة الزجاجية، فتكدست الناس كلها أمام النافذة التاسعة الأخيرة التي لازال يقبع خلفها موظف مل التسامر معهم ربما، تجاوزت الزحام، واخترقت الطابور المائع الذي هو أقرب للدائرة من الخط المستقيم الناس كانت تسأل في لهفة عن كل شيء ، اقتربت من النافذة لأسأل الموظف المتجهم في وجهي عن تذكرة متاحة في القطار الذي سيتحرك بعد ساعة ، لم يجبني هو اكتفي فقط بهز رأسه بما يعني “لا ” ، تراخت يدي تضرب بشدة علي واجهة فخذي تحسراً، فتركت الصف وارتدت أقدامي تعود بي من حيث أتيت  ، يبدو أن هناك من كان يراقبني ، اقترب مني ذاك الشاب نحيف البنية وهمس في أذني ” اذهب الي عامل البوفيه في الطرقة القادمة جهة اليسار ؛ ستجد تذكرة ” .. سرت حسب الوصفة، وحين انتهيت رأيت رجلا أربعينيا يقدم المشروبات للمسافرين، اقتربت منه أكثر ووضعت يدي على كتفه هامساً في أذنه عن تذكرة في قطار رقم 891 القادم بعد قليل، أشار لي أن أتبعه ففعلت ، حتى انتهينا الي مكان يبعد عن العيون المتفحصة التي تلتقط التفاصيل، أخرج لي التذكرة التي تبلغ قيمتها أربعين جنيها ثم قال: سبعين جنيها فقط يا أستاذ

حاولت أن أقلل قيمتها قليلاً لكنه جذب مني التذكرة قائلاً: هناك من يستطيع أن يدفع بلا جدال

جذبتها من يده مرة أخرى وأعطيته ما طلب على مضض ثم توجهت للرصيف لأنتظر القطار بعد أن دقت الساعة الثانية عشرة ولم يصل القطار بعد، مر الوقت أكثر وأنا اتفحص عناوين الصحف والمجلات تارة وانظر لعيون البشر المتلهفة لوجبة دافئة بين أحضان عائلاتهم تارة أخري، ولا جديد!

  • استمعنا إلى صافرة تدوي من قريب!

تحرك بنا القطار من محطة رمسيس في تمام الواحدة والنصف ظهرًا، ألقيت بحقائبي في مكانها المخصص ثم دققت النظر في ساعتي احتسب الوقت المتبقي كي أصل الى بلدتي، هانت .. هكذا قلت! أزحت ستائر النافذة جانبا كي أراني أركض مسرعاً بين الحقول الخضراء وتجمعات النخيل الممتدة، فجأة تهادت أصوات الفرامل وانقطع الجري وعلق نظري بنخلة وحيدة تقف هناك، مكثنا على هذه الحالة قرابة النصف ساعة في مكان قفر خالي، وبدأ القطار يتحرك من جديد فابتلعنا ألسنتنا داخل أفواهنا وعدت للعدو مرة أخرى الا أن القطار لم يلبث هو الآخر أن عاد للتوقف مرة أخري قرابة الساعتين هذه المرة! لعطل أصاب الجرار. حيث تلكأ مهندس الصيانة في استبداله عله يصل وان تعطل فليستبدل في الطريق المهم أن يخرج من حيز مسئوليته وتنتقل لآخرون وآخرون يلقوها على آخرين، طالما هناك مواطن يؤمن بأن ” السفر فقط تساهيل ”

كان الوقت الذي ينزف من حياتي هكذا بلا طائل وقت يخصمه الفساد من حق أهلي في رؤيتي لكن لا أحدا في هذا الوطن يعبأ بالوقت أو بأهلي أو بي أو حتى بالوجبة الساخنة التي أعدتها لي أمي وكلما مرعليها الوقت ضاع طعمها. رأيت كمساري يمر فسألته في ضيق .. متي الرحيل لأنتهي من هذا العذاب الذي حل بنا فأجابني .. ربنا يسهل!  القطار على وشك أن يتحرك

فعلقت عليه قائلا: أنا قصدت بالرحيل الهجرة أو الموت! وغير ذلك ليس حلا .

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق