التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

كافكا على الشاطئ

 

كتبت: رانيا غيث منسي

رانيا منسي
رانيا منسي

 

 

 

 

 

 

بعض الكتب تسرق روحك بين سطورها, بينما أنت تقرأ وتكتم أنفاسك في ترقب أن تنتهي صفحاته , وبمجرد الانتهاء منه تجد نفسك حبيسة أثر الكتاب بين الأثر المبهج أو التعس والحزين ويلازمك هذا الأثر لفترة لا بأس بها فاعلم أن كاتبه لص أرواح محترف استطاع بكل خبث أن يتوغل بداخلك ويطرد ما تحاول اخفاؤه عن الجميع …

أما البعض الأخر من الكتب تجعلك تسير معها على مهل, تتوغل في أدغالها ببطء حتى أن تتورط في منتصف الحكاية; فلا تستطيع أن تمل وتتوقف ولا أن تأخد فترة راحة من السطور الطويلة ; فاعلم حينها أن هذا الكاتب أكثر خبثا عن ذلك الكاتب السابق ذكره , فهو استطاع أن يجعلك تعيش معه الكثير من وقتك , وسرق من وقت كُتّاب ومؤلفات اخرى , لك ان تتوقع انه سوف يفاجئك في النهاية اما بضياع وقتك هدر أو بأن يكافئك على صبرك الطويل معه اثناء رحلة صفحاته .. لذا عليك توخي الحذر حينما تقرأ له لأول مرة إن لم يكافئك فلا تحكم عليه وحاول أن تقرأ له عمل آخر وإن فشل فلا تحاول أن تجرب له الثالثة فلا وقت لديك تضيعه مع كاتب فشل أن يمتعك مرتين ..

هكذا كانت تجربتي مع موراكامي الذي قرأت له في بادئ الأمر جنوب الحدود غرب الشمس لم ترق لي .. ترجمتها ربما كانت سبب في ذلك .. ولكنه كافئني وفاجئني بروايته العظيمة كافكا على الشاطئ .. فجعلني اتجرع صفحاتها على مهل وببطء خوفا من ان تنتهي ولا اجد ما ائتنس به قبل ان اذهب لنوم شبه نوم ناكاتا العميق هذا العجوز الطيب الذي احببته ورأيت فيه جدي .. وبعد ان انتهيت منها في خلال شهرين تقريبا كل يوم بضعة صفحات حتى انتهيت من 672 صفحة كاملة لم امل من حرف منها .. ذهبت في نوبة نوم طويلة وما ان استيقظت حتى رغبت في كتابة رسالة امتنان الي كافكا تامورا البطل الملهم والشجاع في هذه الرواية الرائعة التي لم اقرأ مثيل لها من قبل..

عزيزي كافكا لابد أن اكتب إليك تلك الرسالة فعليك أن تعلم أنني كنت أخشى قراءة رحلتك منذ سنوات عدة .. لكن عندما بدأت التهم أولى صفحات حكايتك وبدأت أخشى أن تذهب وتتركني .. في بادئ الامر عندما تركت كل ما لديك خلف ظهرك ولم تلفت ولا بإيماء لما مضى تمنيت أن أكون ظلك الذي يرافقك تلك الرحلة .. وتمنيت أن أكون بنفس شجاعتك التي اترك فيها كل شئ وارتجل في خطواتي .. أذهب لمجهول ربما اجد فيه الشغف الذي ابحث عنه .. بالرغم من توفر كل سبل الراحة في منزلك الكبير وحياتك المرفهة الا انك تركت كل ذلك وارتحلت ببعض الاشياء الضرورية التي تعينك على الحياة .. لم تكترث لمقتل والدك ولم تفزع ايضا وبالرغم من صب لعنته عليك بجملة قالها لك فيما مضى إلا أنك جازفت عندما شعرت أن من تعاشرها هي أمك ومن قابلها صدفة هي أختك .. لم تندم لفعلك خطيئة ربما تنغص عليك أحلامك .. تسامحت مع نفسك وتركت روحك تقع في الحب المحرم .. حاولت البقاء مع الانسة ساييكي رغم تلاعبها بنظريتك واعطائك نسبة لا بأس بها من صدق نظريتك .. احيانا اتعاطف مع من هروبك من والدك المستفز فمن خلال مقابلته مع ناكاتا العجوز اشعر وكأنه يتلذذ بالضغط على الاخرين لتنفيذ مطالبه هو لا يكترث بالاخرين من مشاعرهم او مخاوفهم .. فظ القلب لذا يبحث عن قلوب القطط البريئة ليلتهمها ساخنة بعد بقر بطونها على الفور .. اه يا كافكا من البؤس ان تفتقد محبوبتك التي قضيت معها القليل من الامسيات الحميمية في حين انك لم تحزن لمقتل والدك .. ربما لا يوجد مجال للمقارنة في حالتي الفقد .. دعني اخبرك انه كم من المؤسف ان تفتقد نفسك .. تركت كل شيء خلفك رحلت عن ماضيك كم انت شجاع .. كم أنا ضعيفة لا أقوى على الهروب من الحاضر ليصبح ماضي .. اه يا عزيزي كم أود أن أهرب منهم جميعا وابدأ من جديد مثلما فعلت انت .. الترحال بالتأكيد شئ عظيم .. احيانا يجب علينا ان نتجه بخطواتنا لطريق مجهول لا نعرف اتجاهه ولا نهايته .. احيانا في التيه نجد ضالتنا .. كم هو مؤلم ان تقابل حبيب وأنت عارف مسبقا أنه سيحين الوقت لفراقة بل ليس من السهل ابدا ان تكون على معرفة بالوقت المعلن لفراقه وتنتظر ذلك الوقت ان يأت .. حبك للمغامرة والبحث وراء كل ما هو محظور لا يخيفك من ان يوقعوك في طريق اللا عودة .. برغم من تحذريات اوشيميا من الغابة إلا أنك تركت نفسك لمتاهاتها في بادئ الامر كنت حذرا تتقدم خطوة ولكنك مع الوقت دفعتك المغامرة للخوض في التجربة .. القيت بكل سبل الأمان خلفك وتقدمت خطوة رغم الأخرى .. لم تهتم بالخوف الذي كاد أن يكتم أنفاسك كلما غاصت خطواتك .. حتى استطعت ان تتخلص من مخاوفك كلها ولم تكترث بالمتاهات العقلية الذي حاول عقلك ان يشوش عليك بها .. اتعرف ليس من السهل ان يستطيع الانسان مواجهة مخاوفه .. ولا من السهل ان يخرج من متاهات العقل المتشعبة .. اظن اني احسدك على روحك المغامرة وحماستك للبحث عما تفتقد .. افتقدتك بعدما اغلقت اخر صفحات الكتاب .. أرجو أن تنصت دائما للفتى المدعو كرو وأعدك أني سأعاود قراءة رحلتك مرات ومرات

شكرا هاروكي موراكامي

شكرا للمترجمة ” إيمان حرز الله ” لولاها ما كنت قرأت الرواية

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى