التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

لقاء غير متوقع

قصة: أحمد اسماعيل عمر

 

جاء الأتوبيس إلى المحطة بعد أن طال أنتظارها له، فشعرت بإرتياح عميق وهدوء داخلى بينما تحسست الطفل الذى كانت تحمله بين ذراعيها بغبطة وحنان، مع أنه مازالت مشاعر الحزن قابعة بروحها. إقتربت من الباب فى بطء وحذر الذى كان لايفصلها عنه غير خطوة واسعة أجلت عبورها حتى يصعد من سبقوها. دلفت ْإلى الداخل ثم استقرت بمقعد فى زاوية ركنية.كان بالداخل ضوء أصفر باهت يعكس ظلال هشة لبعض الركاب المستقرين فى غير إنتظام.لم يكن يغريها أي من المقاعد الخالية الأخرى بتبديل مكانها إلا أنها فى ثوان معدودة مر عليها خاطر فى إمكانية حدوث ذلك ولكنها تراجعت، ليس كسلًا ولا فتورًا،أنما تملكتها حالة من الانتشاء كانت مرصعة بومضات حالمة لزمن قمرى قديم يكتنفه حزن قليل، بسبب أنها كانت تراه من خلال كوة صغيرة بمخيلتها التى تتشبث بإطارها خيوط عنكبوت عجوز، يتخللها الغبار بعدما مضت ليال طوال أعقبها زمن من الفراق، ليال من كثرتها كونت أربعة أعوام، أصبحت لاتتذكر منها غير التى يعلوها القمر الذى كان يؤطر لقاءات العشق المختلس فى شوارع كالدروب, ودروب كالمتاهات، مما يضفى صورة متماهية مع الاحلام القلقة لعيون الرقباء. هبت عليها من النافذة التى كانت بجوارها نسمة تحمل برودة المغيب، أنعشتها وأفعمتها بروح الإحساس الحقيقى الذى كاد أن يرجع ويخترق اللحظات المعاشة الآن بتفاصيله الباهته التى خلالها أخذت أصابعه تداعب مفاتنها بشبق فإنجذبا فى عناق محموم ممزوج بالقبلات الحارة، كان قد أبعدها عنه قليلا كى يتبادلان كلمات من الهمس، ممتلئة بدفئ البراءة حتى تمحو ما كان بداخلهم من شعور بالذنب والخوف.أين هو الآن..؟ وماذا يفعل..؟ أيتذكرنى..؟ أمازال يذكر تلك اللحظات الجميلة؟ هل ارتضى أن يجرب الحب مع غيرى أم إنه مازال قلبه يقتات على ذكرى حبه لى؟

أفاقت من شرودها على أنامل الصغير وهى تداعبها.نظرت نحوه فوجدت ملامحه شاحبة بينما على شفتيه إبتسامة غابت عنها مسحة الفرح،وكأنه يعلم معنى الموت الذى أصابه فى أمه.ضمته ْالى صدرها باشفاق فى حين كان قلبها مشفق على حاله بعدما أبعد عنه الموت حضن أمه منذ بضعة أيام، تلك التى كانت على خلاف دائم مع أبيه، حيث إضطرتها الظروف إلى أن تعيش لاجئة فى بيت أبيها.فى تلك الأثناء كثر القول والتأويل عن خلافهم الدائم.أما هى التى كانت تعتبر صديقتها منذ الصغر كانت لاتعرف أى شئ حتى عن زورجها ْالا بعد عودتها من سفرها الذى استمر لأكثر من ثلاث سنوات بالخارج.كثيرا ما كان يأخذها التفكير الى دائرة الأجهاد لحد الملل فعندئذ قررت أن تكف عنه مكتفيه بذكرى أيام حلوة جمعتهما معا.فى صباح اليوم كان عليها أن تذهب إلى أم صديقتها بعد أن إتصلت بها وطلبت منها المجئ لمقابلتها.عندما وصلت إلى هناك أخبرتها بأن الطفل يريد أبيه أن يراه قبل سفره.فهمت على الفور إنها تريد منها الذهاب به إليه. لم يكن بداخلها أى تردد أو تهيب حيث لم يشغلها بتلك المقابلة غير هالات الحزن التى كانت تكسى وجه العجوز،ذات الملابس السوداء،وأيضاً الحسرة التى إمتصت روحها.أختلجت نظراتها عندما عرفت فى ملامحه إنه هو وليس أحد غيره بينما تجمعت أسئلة كثيرة على طرف لسانها،فأثقلته حيث جعلته عاجز عن البوح.فجأة إرتعدت مفاصلها كمن أصيب بحمة مميته أو كأنها تحمل صخرة بين يديها وليس طفلاً.كان قد أخافها عجزها عن النطق فى إمكانية أستطالة وقته حتى لو دقائق،فتصبب وجهها عرقاً ودوت خفقات قلبها بأذنيها.فى حين أرتابت من كل شئ بعد أن رأت فى عينيه النسيان حيث أصبح نور القمر الذى كان يؤطر حبهما كنور خافت تذوى شعلته بجوف زجاج مصباح ملطخ بالسخام،والليل ثوب أسود يدثر ميتا،والشوارع والدروب والبيوت ماهى ْالا ديكور لمسرحية بطلها العبث.أما هو فكان مشغول بالنظر إلى ابنه قبل أن يمد يديه كى يحتضنه،الذى أخيرًا تراجع خطوتين إلى الداخل ثم أغلق الباب…..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى