التخطي إلى شريط الأدوات
أدب ساخرمشاركات أدبية

عدوي مفك عجوة يكتب: حين يتخلص الكاتب من الفخ الحبلي

كتب : محمد ممدوح عبد السلام

 

في مجموعته القصصية”سراب أزرق” الصادرة منتصف الليل عن دار نشر”كحرتة”، استطاع الكاتب الشاب”محمد ممدوح عبد السلام” أن يتخلّص باقتدار من”الفخ الحبلي” الخاص بترتيب قصص المجموعة ـ 17قصة قصيرة ـ فما بين قصتين طويلتين هناك قصة صغيرة الحجم، تعقبها صفحة ونصف بيضاء علي الأقل، وهو شئ نادر وقليل الحدوث هذه الأيام. هذا الفراغ ـ بتعبير الناقد التشيكي خوليتش ـ يسير علي خطي”منهجية التقصّي” التي اتبعها كتّاب كبار في أعمالهم، كالروائي العظيم”زوبعة”. فهذه المنهجية تعطي لعين القارئ والناقد معاً، متعة مشاهدة سرب براغيث هاربة من جحيم الأرض، بشوارعها وضجيجها وجبالها وكلاكستها ـ جمع كلاكس ـ التي صمّت آذاني وأنا أكتب الآن( تعطّلت إحدي السيارات المارة أسفل نافذتي، فمددتُ يدي لألتقط برتقالة من إحدي الأسبتة الممتلئة عن آخرها من سوق السبت، مسحتُ البرتقالة في كم بيجامتي وقضمتها أثناء الكتابة عن المجموعة). أقول متعة مشاهدة سرب براغيث هاربة من جحيم الأرض إلي الفراغ الأبيض للصفحات، وهذا يتسق بشكل كبير في مجمله، مع المواثيق والحقوق الدولية الخاصة بحق السير الآمن للبراغيث، وهو ما يعطي ـ في سياق أدبي دلالي ـ بعداً أكثرإنسانية للإنسان ذاته، في ظل الحروب والمجازر التي يرتكبها كل يوم، وهو ما يبّين البعد العالمي/ الكوني للفراغ الأبيض في نصوص هذه المجموعة الفريدة، خصوصاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومروراً بانهيار سور برلين الذي مثّل مشكلة كبيرة، في تناول السياق الدلالي للنصوص الأدبية، بما حوته في تلك الفترة من تأويلات تتصادم مع الأبعاد الميتافيزيقة للأشجار الضخمة في الحدائق مترامية الأطراف، والتي حاول فيها الإنسان، وعبّر عنها هذا الفراغ بجلاء، التقاط التصوّرات الممتزجة بأنين التربة، في الأوقات التي يتساقط فيها الثلج. ملمح آخر للفراغ الأبيض في هذه المجموعة: أن برغوثاً استطاع وبمنتهي الأمان، أن يقف وسط بقعة صفراء من عصارة البرتقالة، التي سقطتْ سهواً من فمي أثناء الكتابة، وظلّ يرقص في وسطها إلي أن وصل إلي نصف صفحة بيضاء هذه المرة في نهاية قصة طويلة، عكستْ ضوء الشمس جيداً في غرفتي، مما يدل علي أنه ورق من النوع مرتفع الثمن، الذي يصل الطن فيه إلي 2000جنيه تقريباً. نستطيع أن نقول وبمنتهي الجلاء الكاشف المرتبط ب”التاريخية الجديدة” أن قصص المجموعة تنتمي إلي”الواقعية السحرية”، التي تطير فيها المقشّات من أيدي ربّات البيوت فجأة، وتسيرُ فيها السيارات بعصير القصب ـ من الكوب الكبير الذي يُباع ب2جنيه ـ لمدة أسبوع دون توقّف، ودون احترام لإشارات المرور، وهو ما يبيّن بجلاء الآثار السلبية لتلك الواقعية، التي تفادها الكاتب الشاب قدر الإمكان في مجموعته البديعة، وتحدث عنها، أي الآثار، الناقد الكبير”ميشيل بريكس” في ما يُسمّي ب”النسيج اللحمي للغة” قبل أن يصل سعر كيلو اللحمة إلي27جنيه في إحدي مدن الصعيد، الذي يُباع في سيارات الخُضر والفاكهة، التي وزّعتها الدولة علي الشباب، بما يتفق مع المولّدات البنيوية العميقة في لغة هذه المجموعة، التي تختلفُ كلياً عن مولّدات الكهرباء المزعجة في الأفراح الشعبية، وتتماشي ـ مع فروق طفيفة ـ مع الوعي التوليدي للغة، الذي تحدّث عنه الناقد الكبير”جورج لوكاتش”، المتماشي مع”اعتباطية الرمز اللغوي” عند العالم والمفكر السويسري”فرديناند سوسيور”، مع إن”باختين” عارض كل ذلك في نظريته الشهيرة، التي تجمع بين الشكلي والأيديولوجي وهو ما تفتقده هذه المجموعة البديعة للأسف الشديد، لأنها تخلّت عن أربع محددات شهيرة في النص:”السوسيونصية”،”السوسيو لساني”،”السوسيولوجي”،”سوسيولوجيا النص”. وأُضيف من عندي، أنها تخلتْ عن “سوسوابن توتو الباذنجاني”، وهو ما يتفق في بعض النصوص مع فكرة إلغاء القطيعة بين النص والمضمون. سنجد في المجموعة : نملة تسير علي نافذة( لم يراع المؤلف المسافة بين النافذة والأرض خوفاً علي حياة النملة)، ومرآة تعكس الظلام، ربع دجاجة في طبق لسان عصفور، جان يتم تحضيره بمادة الزئبق، رجل مات مئة مرة وعاد إلي الحياة، وظل لامرأة يتبول ليلاً …. ألخ. وهذا يكشف بجلاء واضح أنها تتوافق مع”التحليل السنكروني الواصف”، و”الذات الشاعرة”( قلتها في عشرين ندوة هذا الشهر أثناء مناقشات لبعض الدواوين الشعرية، واستخدمتها هنا لأن القصص تحمل داخلها هذا النفس) التي تتحلي بقدر من المثالية أو”الوعي السنتمنتالي”، وهذه”السنتمنتالية” الأخيرة تسبّبت في سوء فهم بيني وبين زوجتي، التي عندما كانت تسمعها أثناء حديثي في الهاتف مع إحدي الزميلات، تشك أنني أشير علي إحداهن بنوع جيد من”السوتنيات”، التي تُباع في الأسواق، وأن أفضل أنواعها هو المسمي ب”السنتمنتالية”. الخلاصة أن هذا الشاب سيكون له مستقبلٌ باهر، وستحصد العديد من الجوائز.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى