التخطي إلى شريط الأدوات
أخبارصدر حديثًا

“الواجهة”.. ولا معقولية الحياة التى نحياها بكامل وعينا

تسعى الدار المصرية اللبنانية إلى إتاحة الإنتاج الروائى للعالم والمبدع الراحل الدكتور يوسف عز الدين عيسى فى مناسبة احتفال مصر بمئوية ميلاده؛ فقد ولد الرجل فى 17 يوليو  1914، ورحل عن دنيانا يوم 18 سبتمبر1999، فتصدر طبعة جديدة من روايته “الواجهة”، متزامنة مع صدور الطبعة الأولى من روايته “عواصف” التى لم تخرج بين دفتى كتاب فى حياته، وذلك من منطلق الإيمان بأن رائد الدراما الإذاعية صاحب: “العسل المر”، “لا تلوموا الخريف”، التمثال”، “عين الصقر”، “الرجل الذى باع رأسه”، “نريد الحياة”، “ليلة العاصفة”، “ثلاث وردات وشمعة”، لم ينل إبداعه الروائى أوالمسرحى ما يستحق من اهتمام نقدى أو دراسة أكاديمية، على الرغم من أنه كان أحد الأساتذة الكبار الذين أسهموا فى تأسيس جامعة الإسكندرية.

غلاف رواية الواجهة
غلاف رواية الواجهة

ونحن فى “الواجهة” وعلى امتداد ثلاثمائة وثلاثين صفحة حافلة بأعلى درجات التشويق والاثارة، كما يؤكد الروائى سعيد سالم فى تقديمه لهذه الطبعة، فتمضى رحلة “ميم نون” من الحياة إلى الموت، وهى رحلة شاقة وعسيرة؛ منوعة بشتى صنوف العذاب والقسوة وأمر الأحزان.

ونحن بمجرد أن ننتهى من قراءة هذه الرواية نجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام الأسئلة الأبدية: من الخالق؟ ومن الإنسان؟ وما هى الحياة الدنيا؟ وما الآخرة؟ وماذا عن الجبر والاختيار وماهية الوجود الإنساني؟ وما معنى أن تنتهى كل هذه المسائل الملغزة بلغز أكبر منها ألا وهو الموت؟

الرواية مليئة بالرموز الموحية التى قد لا يختلف إثنان على المعنى القصود بأى منها. بناؤها المعمارى قائم على تصميم هندسى تعسفى لكل رمز من الرموز الواردة بحيث يناظره معادل موضوعى على أرض الواقع.

إلا أننا نظلم العمل ظلمًا فادحًا إذا ما تناولناه بهذا المنظور لأننا حتى لو استبعدنا المعادل الموضوعى لكل رمز وتناولنا العمل على ما هو عليه، أى بشكل اللامعقول، فإننا سنجد أنفسنا أمام رواية فنية متكاملة تعبر عن لا معقولية هذه الحياة التى نحياها بكامل وعينا ومعقوليتنا.

والدكتور يوسف عز الدين عيسى لكى يعالج هذه الأفكار الفلسفية الشائكة كان يلجأ دائمًا إلى مزج الواقع بالرمز والخيال.

وله نحو مائتى قصه قصيرة وست مسرحيات وثمان روايات، إضافة الى ما يفوق المائة مقال وقد كان من كتاب جريدة “الأهرام” تنشر له صفحة أسبوعية تحت عنوان “من مفكرة يوسف عز الدين عيسى”.

وقد نظم الشعر، وكتب الأغنية التى تخللت الكثير من أعماله الدرامية وأهمها: “العسل المر”، وفد اختيرت أعماله ضمن مختارات الإذاعة المصرية وهو بعد فى بداية حياته، ولحنها وغناها كبار الفنانين مثل: عبد الحليم حافظ، ومحمود الشريف وغيرهم.

نال جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام 1987، وجائزة الدولة التشجيعية عام 1975 فى مجال الدراما الإذاعية. وحمل وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى مرتين؛ الأولى عام 1976 والثانية عام 1989، كما تم تقليده وسام الجمهورية عام 1981، حصل على وسام فارس الأدب 1999 من هيئة قصور الثقافة لدوره الرائد فى  تقديم نوع جديد من الأدب. أطلق اسمه، بعد رحيله، على قاعة الصالون الأدبى بمركز الإسكندرية للإبداع.

فى رواية “الواجهة” نبدأ رحلة البحث عن الحقيقة مع بطللها الذى أسماه “ميم نون” وهو فى حقيقته علامة استفهام، كما يقول سعيد سالم؛ فميم نون قد تعنى كلمه “مَن” إذا ما ضممنا الحرفين معًا والعمل من بدايته حتى نهايته يشكل علامات استفهام كبرى تأخذ فى التضخم حتى يستحيل تصور حجمها فى النهاية.

وتبدأ أولى علامات الاستفهام بوجود “ميم نون” فى المدينة العظيمة التى تبدو وكانها شارع واحد. كيف حدث هذا؟ ولماذا؟

ثم لماذا قرر مالك المدينة الحكم بالإعدام على جميع سكانها؟ وعندما يبدأ “ميم نون” فى التطلع البريء إلى الأنس والمحبة لتبديد عزلته ووحشته يكتشف أن أهل المدينة يتمسكون بقيم محددة تمسكا دوجماطيقيًا دون النظر إلى طبيعة النوايا فتبلغ عنه الفتاة التى ارتاح اليها-وهى تقدم له الطعام فى المطعم- ليطرد من منزله ويصبح بلا مأوى ولا نقود، بحيث لا مفر أمامه إلا الذهاب إلى الطاحونة يدور بها كثور ثمنًا للحصول على لقمة العيش.

لكن الطريق إلى الطاحونة مليء بالعذاب يعترضه الموت إذ تلتهم البالوعة الأحياء فيطن صفير فى أذنى “ميم نون”، ذلك الصفير الذى يوحى بلا شك برحيل القطار حاملًا الميت من عالم الدنيا إلى الاخرة. والحكم بالإعدام فى هذه المدينة لا يفرق بين القتلة المتوحشين والفنانين ذوى الاحاسيس المرهفة، فها هو الشاعر الشاب الجميل الرقيق يقتله الموت بسهم يخترق قلبه النابض بحب الكون والبشر.

لكن سكان المدينة بالرغم من جمودهم وآليتهم، نجدهم يذرفون الدموع على الفنان ثم ينصح “ميم” بالالتجاء بالشكوى إلى مالك المدينة ويقال له إن المالك يحب الشكاوى، ويسعد بكثرتها، وأنه يجد لذة فى شكوى الناس وتوسلاتهم، والويل لسكان المدينة من غضبه فقد يعن له فجأة أن يحدث زلزالًا رهيبًا بالمدينة يروح ضحيته من يروح بلا ذنب أو جريرة. ويتقدم “ميم” بشكواه

التى يقول فيها: “لقد وجدت نفسى فى هذه المدينة بغير إرادتي، ولا أعلم من أين جئت”.. إلى أن يقول: “وليس لدى من المال ما يسمح لى بتناول الطعام، ولم يعد لى مأوى، وارجو من مالك المدينة أن يسمح لى بمغادرة هذه المدينة التى ملأت قلبى بالهموم والاحزان ويهيىء لى وسيلة للخروج منها إلى مكان آخر”.

هكذا يقرر”ميم نون”  الفقير المعذب الذى لم يرتكب إثما واحدًا أن يغادر هذه الحياة، لكن إلى أين؟ .. هذه علامة استفهام اخرى لم يجد عنها اجابة، فلم يجد بدًا من الذهاب إلى الطاحونة حيث كان السوط فى انتطاره يلهب جسده ويدميه فى مقابل قروش قليلة.

ويسأل عن اسم مالك المدينة وعن شكله فيقال له إن المالك ليس له اسم معين بل أسماء كثيرة، وإن أحدًا لم يره. ومع التهاب جسده بنزيف الدم من أثر السوط، ويأسه من الحصول على رد على شكواه يصب غضبه على المالك فيقول إنه يهوى تنفيذ الإعدام فى الأبرياء ويتلذذ بشكاوى المعذبين دون أن يحقق لهم أية أمنية.

أما رواية “عواصف” فهى هى رواية انسانية سيكولوجية تبحر فى داخل النفوس وتحللها تحليلا دقيقا، تعبر عن المشاعر التى تجيش بنفس الإنسان وتظهر عواصف الصراعات التى تنشأ بين أقرب الناس وبعضهم، ويبقى دور الدكتور منير الذى يحل كل هذه الالغاز.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى