وشوشة

شجرة اللبخ .. لا مهرب من رائحة الحقيقة

 

كتب: مصطفى السيد سمير

مصطفى السيد سمير

 

 

 

 

تحت شجرة اللبخ ترقد جثة البيه، رضوان بيه البلبيسي. لم يكن اختيار تلك الشجرة اختيارا اعتباطيا، فتلك الشجرة التي تمتاز بقدرتها على مد الظل، كما تمتاز أوراقها برائحتها الطيبة، كانت “قبرا معنويا” لسيرة ذلك الرجل المليئة بالخطايا العطنة، والجروح الصديدية التي زرعها في أجساد كل من حوله وفي أرواحهم، ابتداء من زوجاته وأبنائه، مرورا بفلاحيه وأهل قريته “درب السوالمة”، الذين كانوا عرضة لاستبداده وتكبره وإرهابه حتى بحرق منازلهم، وانتهاء بشعب مصر بوجه عام، الذين تحالف مع محتليهم ضدهم، وحاول قمع ثورتهم ثم الاستفادة منها ثم تعقب المشاركين فيها ومعاقبتهم
ربما تفلح الشجرة في مداراة تلك السيرة العطنة، وربما لا يمكنها ذلك، خاصة مع من اقتربوا من هذا الرجل أثناء حياته أو حملوا نعشه “الطائر” بعد موته. لا تمنحنا الرواية إجابة حاسمة، فالرواية التي تركت بناءها الدرامي المعقد والمتشابك – والمحكم مع ذلك – يتكشف شيئا فشيئا أمام أعين القارئ، عن طريق تراكم التفاصيل والتلاعب بالزمن قربا وبعدا والنبش في ذاكرات أبطالها لنجمع شذرات الحكاية. إلا أنها لم تكشف كل شيء، ولم تجب عن كل الأسئلة، سواء تلك الخاصة بنا، أو حتى تلك الأسئلة التي لم تكف عن وخز قلوب أبطالها طوال زمن القص.
وكأن الكاتبة تريد تحميل هذا البيه، وهذا المدفن، دلالة أكثر عمومية، وأكثر مدعاة للأسى بالتأكيد. ربما اتخذته معادلا موضوعيا عن الريف المصري، كبد هذه الأمة ورئة مبدعيها ومعدة انتصاراتها الاجتماعية وهزائمها. ربما تريد أن تتساءل عن تلك الأشياء التي قام القطاع العريض من الكتابات الأدبية بـ”دفنها” تحت شجرة عطرة وصورة ذهنية رائقة ومثالية، وزائفة. ربما يمكننا تتبع خطوات الكاتبة في تشريح هذا المجتمع الصغير كي نحاول اكتشاف ما قامت هي بالكشف عنه

المرأة

تقع أحداث الرواية في أربعة عشر فصلا، تحمل كلها أسماء أبطالها العديدين، يحمل نصفها أسماء بطلات من النساء “سعاد، شفاعة، سعاد 2، ليلى، صافيناز، شفاعة 2، جميلة”. بينما يحمل النصف اﻵخر أسماء أبطال من الذكور. ربما يمنحنا ذلك التوازن بين كفتي الحكي مؤشرا على توازن كفتي الرجل والمرأة في صناعة الأحداث وفي إدارة الصراع وفي – بالتالي – جني ثمار الألم، وربما يمنحنا صورة خيالية يتم تمزيقها على أرض الواقع بفعل الخدوش العديدة في أجساد البطلات على امتداد الرواية.

ترفض الرواية التصديق على تلك الصورة المسبقة للمرأة الريفية الراضية الوادعة الخصيبة، وتنقل لنا بعضا مما تم مواراته تحت هذه الصورة. تحدثنا الرواية عن سعاد التي أتت إلى سراي البيه لوظيفة واحدة هي إنجاب الولد، وهي الوظيفة التي أهدرت دونها كل حقوقها الاجتماعية والعاطفية داخل هذا البيت، لكنها أبت إلا أن تستمر فيها حماية لحياتها ولمستقبل ابنها الوحيد في الميراث، ذلك المستقبل الذي تم سلبه في لحظة على يد صافيناز. وعن صافيناز المرأة الشقراء التي اضطرت إلى جلد ذاتها بسوط امرأة أخرى، حين أشارت على البيه أن يتزوج بأخرى ليحصل على الولد، ثم تحملت ذلك الهامش الذي حصلت عليه سعاد والذي صار ينمو مع نمو وليدها. وعن شفاعة التي أدت دور الذاكرة الجماعية لأهل هذا المكان، مع كل ما تعنيه الذاكرة من اختزان العذابات، تلك التي حملتها بالإضافة إلى عذاباتها الشخصية بفقد ولدها الوحيد واختفاء منصور. وعن ليلى، اﻻبنة الجميلة المشكوك في نسبها إلى البيه، والتي عذبها الحب وعذبها الزواج، وعذبتها السراي وعذبتها الشوارع، وربما كان أقل مشاهدها إيلاما هو ذلك الذي خرجت فيه مليئة بالقروح من داخل جرن محترق. وعن جميلة التي كتب لها على باب الزقاق، ما يروح عاشق إلا وييجي ألف مشتاق. ثم حطمها ابن البيه على صخرة الزوجة الخواجاية، وحطمت هي نفسها على صخرة أقرب أصدقائه.

صارعت هذه الشخصيات جدران الهوامش المختلفة، هوامش الحب والمال والسطوة الاجتماعية والقدرة على إيذاء اﻵخرين. لم تنتصر واحدة منهن في معركتها، هزمن جميعا كما تم تبرئة بل ومباركة قاتليهم على المستوى اﻻجتماعي، فظل البيه على مكانته حتى انتهى “وليا” وظل الابن يحمل تلك السطوة والمهابة الموروثتين وظل مدكور – حتى مقتله – ضابطا مرموقا لا تنقصه الوجاهة ولا تتعثر ترقيته إلا بفعل سرقة محفظته، تلك السرقة التي قام بها رجل مثله

الزمن

كيف دفن الزمن بأسفل شجرة اللبخ. هذا برأيي من الأسئلة الشائكة داخل الرواية. وهو شائك لأنه قد تم استخدامه سابقا باعتباره مزية وليس عيبا، فهم يحدثوننا عن مصر والريف خاصة باعتبارها حاضنة القيم النبيلة وراعية الأصالة والنبع الصافي للشخصية المصرية التي لا تخلو من مثالية، حتى اعتدنا – نحن مستهلكو الأدب – على التعامل مع تلك الرؤية باعتبارها من المسلمات.

لكن الرواية تكشف لنا وجها آخر لعملية الدفن هذه، وجها يعكس الانسداد الزمني الذي أغلق كل مجاري التطور الحضاري وجعل من هذا المجتمع بركة من التصورات والمفاهيم الراكدة اﻵسنة. وفي مثل هذه البرك تتكاثر الأعراف والتقاليد السامة ويسود الجهل والخرافة مثل أمراض متوطنة. فنرى تراجع مفهوم الدولة الحديثة لصالح العصبة القبلية الفجة، وتراجع مفهوم العدالة لصالح الهيبة، وتراجع مفهوم الدين لصالح الدجل، وتراجع مفهوم المساواة لصالح “الطبقات التي خلق الله عليها الناس”، وتراجع مفهوم الرجولة لصالح الاستعباد الجنسي، وتراجع مفهوم العقل لصالح الرضا بالاستعباد بكافة أشكاله.
ربما تدخلت آليات كتابة الرواية أحيانا في السياق الزمني، محدثة الكثير من الـ “فلاش باك” مثل دوامات عكرة في هذا الماء، ربما لتمنحنا مجالا أوسع للرؤية، وربما لتعرية جسد الزمن المسجى أمامنا، كي نرى بعين اليقين عدم قدرته على السير إلى الأمام، حتى بعد دوامة كبرى مثل ثورة 1919

هذه البركة الآسنة لا يجري فيها العلم، مثل ذلك الطريق الذي تم تغيير مساره بعيدا عن سراي البيه، ولا ينمو على ضفافها التأثير النهضوي للدين، ولا يطفو فوقها العدل، ولا يمكن أن تتجمع حولها إلا الأوبئة. الأوبئة التي قمنا بدفنها تحت شجرتنا الجميلة، المورقة في روايات وأغنيات وقصائد، على أمل أن تذهب الرائحة

السلطة الأبوية

يغرق هذا المجتمع الصغير الذي حدثتنا عنه الرواية في الخضوع للسلطة الأبوية بكافة أشكالها، فهناك سلطة صاحب المال ممثلة في البيه، وهناك السلطة الإدارية ممثلة في مدكور والضباط الإنجليز، والسلطة الذكورية التي مارسها مدكور على ليلى ومارسها فارس على قدرية ومارسها البيه على الجميع، وسلطة الدين التي رأينا إحدى تجلياتها في مشهد طيران النعش، النعش الذي يحمل رجلا يعرفون جيدا بعده عن ولاية الله وعن الكرامات.

لم تحدثنا عن الرواية عن مجرد الخضوع، وإنما عن تسرب هذا الخضوع إلى البنية الثقافية الخاصة بالمجتمع، وتجذره في مكونات قطاع كبير منه الأخلاقية والعرفية بل والدينية، ليصبح استبداد البيه قدرا واجب احترامه، وتسلط الرجل حماية للشرف، والتبعية للإمبراطورية الإنجليزية حرصا على مصلحة البلاد من وقوعها في يد من لا يحسنون الإدارة، وتصبح الثورة – بالتالي – عملا تخريبيا فوضويا عديم الجدوى، حتى المقام المشيد فوق قبر البيه، يصبح مزارا لطالبي البركة. ذلك المشهد الذي لم يخل من سخرية.

القدرة على الحب

تمتلئ الرواية بقصص الحب، المعلنة والسرية، الممتدة وقصيرة الأمد، المستقرة والمرتبكة، المتسقة مع السياق الاجتماعي والمتحدية له، لكننا نرى أن معظمها قد غلب عليه الشقاء.

فهناك من القصص ما انتهى قسرا مثل قصة ليلى / همام التي أشعل فيها همام الحب في ليلى حتى حاربت الذئاب من أجله، ثم اختفى، لتذوب القصة في متاهة العداوات المتوارثة بين أبيها وأبيه. وقصة شفاعة / منصور التي عبرت سريعا في الأحداث وانتهت باختفاء منصور وسجنه، ذلك الاختفاء الذي ظنته شفاعة هروبا منها. وقصة سعاد / عدنان الكردي التي عبرت سريعا كذلك وانتهت بموت غامض لعدنان. وهناك القصص التي انتهت بأيدي أبطالها بدافع التمرد أو الانتقام مثل قصة قدرية / فارس حيث رفضت قدرية تحكمه في مصيرها واختياره لها من الخلال الفحص العاري الذي يقوم به الحكيم للفتيات على مرأي منه. وقصة جميلة / فارس حيث بادرته هي بتمرد استباقي كأنها تتخذ ضمانات منه – أو ربما تعاقبه – بسبب ما كان من استبداد أبيها وأبيه.

أما القصة التي توقفت عندها طويلا فقد كانت قصة ليلى / متولي، تلك القصة التي بدأت بعد زواج كان مهرها فيه رأس مدكور، لكن شيئا دافئا نما بين الجريحين الهاربين، شيئا جعلهما يتجاهلان تشوهات الجسد وخراب الروح، ويتجاوزان أوجاع الماضي وهواجس المستقبل، كأنما التأما معا كطرفي جرح.

لم تمنح الطبيعة أيا من أبطال الرواية قدرا من الهناء العاطفي، ولا منح المال مالكيه قدرة على امتلاك القلوب، ولا منحت البشرة الشقراء صاحباتها رجالا لا يعشقون غيرهن. في معارك الحب إذن – كما يمكن أن نتوقع – لم يربح أحد.

 

ها قد أنهيت الرواية، فهل نجحت في إثارة الأسئلة لديك كقارئ، وهل ألقت الأحجار – كما يقال – في بركتك الراكدة. هل أصبحت تعلم ما يمكن أن يكون مدفونا تحت أشجار اللبخ، ربما تكون الوجوه المظلمة السرية من الحكايات التي نحفظها عن ظهر قلب، وربما تكون الأمنيات التي ظننا أنا قادرون على تمنيها، والذكريات التي ظننا أننا قادرون على الفرار منها. وربما نكون نحن أنفسنا، بداخل تلك التوابيت المدفونة أسفل شجرة اللبخ، لتظلنا فروعها الممتدة بموت خيالي أقل قسوة مما كانت عليه حيواتنا، وتغطي روائحنا الكريهة التي جمعتنا رغم ما تفرقت إليه سبلنا، ولتمنحنا قداسة خيالية في أذهان أناس لم يؤمنوا بنا قط.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة