التخطي إلى شريط الأدوات
لقاءات وحوارات

فؤاد قنديل: لو لم تكن الكتابة.. لكنتُ مجنونًا يهذي في الشوارع! “حوار”

الجوائز الأدبية.. أكلت رؤوس الأدباء!

الأدب تحريضٌ مستـمرٌ على الثـورة

لم أكن أعرف أن الحديث معه لا يقل مُتعة عن قراءة إبداعه الذي يُجيد إدهاشي على الدوام. فصاحب “المفتون” معجونٌ بالفن مسكونٌ بأحلام البسطاء الذي يعتقد أنهم أوكلوه ليحررها ويبث بقلمه في روحها الحياة. يؤمن الروائي الكبير فؤاد قنديل أنه “ابن الكلمة” من روحِ الأدبِ خُلق وتشكّل وبالكتابة وحدها استطاع الولوج إلى ذاته وتلمس الطريق إلى الحياة وإلى النجاة.

راهبٌ أفنى أربعون عامًا من عمره في محرابِ الإبداع. يحمل في جُعبته 19 رواية و13 مجموعة قصصية و12 دراسة نقدية. ومازال قلمه يسأله “هل من مزيد!” لأن التوقف عن الكتابة بالنسبة لقنديل صمتُ النبضِ ونهايةُ الأمل. هنا نلجُ معه إلى عوالمه الأدبية، يطوف بنا في فضاءاته الرحبة.. عن الكتابة والحياة نحاوره:

حوار: ندى البدوي

لاحظت شعرية اللغة في نصوصك السردية.. كيف ترى المحاذير التي تحوم حول ما يمكن تسميته بشعرنة النص؟

أولا أنا بدأت شاعرًا ثم تحولت إلى القصة والرواية، هذا هو السر في أن حبي الأول مازال يعيش معي وتتسلل رائحته إلى نصوصي. أؤمن أن الشعر هو قلب الأدب النابض بينما الرواية هي جسده، والقصة القصيرة هي عيونه التي ننظر إليها في لمحةٍ فندرك الأعماق. لذا فمسألة المحاذير وارتباطها بالنص السردي لا أشعر أنني أعاني منها، بل على العكس أشعر بأن روايتي أو قصتي القصيرة غير مكتملة وتفتقر إلى النبض إذا لم أنفث بها بعض الأنفاس الشعرية التي تحولها من جمادٍ إلى كائن حي، يحب ويبكي ويتنفس ويتحرك. الشجن الذي يتركه الشعر ويبسطه في النص مهمٌ للغاية على ألا يغالى في استخدامه بحيث يطغى على جوهر المعنى الذي يتضمنه السرد، ولا ينبغي أن يُنسينا جمال الشعر دراما الإنسان وصراعاته وانفعالاته. هذه ربما هي المنطقة الشائكة التي يقع بها الكثيرون.

تقول أن الأدب يجسد معاناة الإنسان وصراعاته الكبرى.. ولكن هل يساهم بشكل فعلي في تخفيف هذه المعاناة؟

مجرد البوح والتعبير عن الإنسان وعذاباته المصيرية تخفيف بليغ عنه، لأن جزء كبير من حل أية مشكلة يَكمن في الفضفضة والكشف عنها. فمثلاً إذا تعاملنا مع شخص يعاني من فقد عزيز مجرد أن تسمح له بالبوح ونكأ جراحه هذا كافٍ إلى حد كبير ليتخلص تدريجيًا من هموم الفقد وآلامه. وهنا يكمن دور الأديب الذي يتقصى هذه الآلام ويكشف عنها بمبضع جراح يعرف مواطنها جيدًا. لذا أترك الفرصة دائمًا لشخصياتي كي تفصح عما تخبئه في دواخلها من خلالي. شاغلي الأوحد الإنسان الذي أشعر أنه مُعرض للسقوط، فاتأهب دائمًا لألحق به وكثيرًا ما يسبقني ويسقط، فأسجل حالته واستبطن مشاعره لأبثها في نصوصي. وأجد نفسي أميل إلى تقنية الأصوات المتعددة في السرد حتى تتمدد مساحات البوح داخل النص إلى أبعد مدى. وأعمد إلى أن أحرر شخوصي المعانية من الزنازين القاتمة التي تدخلهم ظروف الحياة فيها. أُشعرهم بأن الحياة تدب في الخارج تطرق أبواب قلوبهم وتلح عليهم كي يشاركوها بهجتها ودراميتها، وبأن الحياة لن تنتظرهم طويلاً.

للثورة حضور مكثف في أعمالك الأخيرة.. هناك إشكاليات عدة تتعلق بما يطلق عليه “أدب الثورة” البعض يرى بأن لحظة المخاض الحقيقي لعملٍ عميقٍ يجسد الثورة أو ينبع منها  لم تحن بعد، وأن ما يكتب الآن عنها ما هي إلا أعمال مبتسرة غير مكتملة النمو باعتبار أنها لم تتخمر بعد.. ماذا تقول في ذلك؟

الأحداث المحتدمة ليس من السهل التعبير عنها لأن لها أطراف وأعماق وأسباب وظروف خاصة فضلاً عن أن مشهدها دائمًا ما يكون غامضًا وملتبس. فنحن لا نعرف ما الذي يجري على وجه الدقة ولكن بعد فترة يمكن أن ندرك هذا. في نفس الوقت لا يمكن أن نمنع الأدباء والشعراء من أن ينفّسوا عن مشاعرهم ويبثوا أفكارهم إزاء ما يحدث. وبخاصةً إذا ما كنا نتناول حدث بحجم الثورة كفيل بأن يفجر كوامن عميقة وانفعالات متشابكة في نفس الكاتب الذي يتعذر عليه تجاهل كل هذا الصخب والغضب. لذا، لا أجد أن إشكالية ضبابية المشهد الثوري وتشعبه يمكن أن تحول دون إنتاج أعمال أدبية قوية تُجسد هذا الحدث العظيم. وإذا كان السرد الروائي هو الأكثر عرضةً لمواجهة هذه الإشكالية، فإن القصة القصيرة يمكن أن تنفذ من هذا الضباب بالتقاط مواقف ومشاعر مفعمة بالثورة والأمل والغضب.

أتعني أن القصة القصيرة هي الأقدر على فك تشابك المشهد الثوري المضطرب؟

ليس تمامًا. القصة القصيرة هي الأقدر على تجسيد انفعالنا الفجائي بالثورة التي لا ندرك أبعادها. هذا المزيج الثوري العارم لم يكن باستطاعتي إلا رصده والتعبير عنه مثلما فعلت في مجموعتي القصصية “ميلاد في التحرير” التي دونت أفكارها أثناء مقامي لمدة 11 يومًا في الميدان تشبعت فيها بكمٍ هائلٍ من الحكايات والانفعالات وصور مقاومة الثوار ورائحة أجساد الشهداء، الأصوات والهتافات. أما الرواية فتحتاج إلى رصدٍ متأنٍ لكل معطيات المشهد لكشفه بعمق وتقديم بُعدٍ جديد فيه. هذا البُعد قد يسبق الحدث نفسه بما يشبه التنبؤ، مثلما فعلت في روايتي “قُبلة الحياة” التي أصدرتها على نفقتي الخاصة عام 2004 بعدما رفضتها جميع دور النشر لأنها تسلط الضوء على فساد مبارك ونظامه المهيمن آن ذاك، وأنهيتها بأن الموتى خرجوا من قبورهم ليبدوا احتجاجهم على ما يجري لأبناءهم الأحياء، فاجتمعوا معهم في ثورةٍ عارمة تمتد بعرض الوطن، وهو ما تحقق في 2011 دون خروج الموتى بالطبع!

ولكن في روايتك الأخيرة “دولة العقرب” صورت الثورة وقد دخلت نفقًا مُظلمًا تلدغها فيه العقارب. هل كان ذلك تنبؤًا بما ستؤول إليه الأمور بعد حكم الإخوان المسلمين؟

كنت أرى المشهد قاتمًا ومحبطًا جدًا. طعناتٌ متتالية تسدد إلى جسد الثورة التي تخيلتها بطلة الرواية، فلم يتبادر إلى ذهني غير العقارب الذين يهاجمون سيارة الإسعاف -في نفقِ مظلمِ تحت الإنشاء- وهي تحاول أن تصل بالبطلة إلى المشفى لإنقاذ حياتها. “دولة العقرب” نبعت من استشعاري الخطر على مصير الثورة وأنا أراها تفشلُ بامتياز. تُسرق ويقفز عليها المتسلقون، يجرونها إلى ذاك النفق. فالعقارب كانوا الإخوان المسلمين آنذاك. أنهيت الرواية في الفترة التي اقتحموا فيها المشهد السياسي وجاء محمد مرسي رئيسًا لمصر. لا أهتم كثيرًا بتأويل الدلالات التي ترد في أعمالي وأقول أنها تنبأت بكذا وكذا. لكن كثيرٌ من النقاد اعتبروا ذلك تنبؤًا بنهاية حكم الإخوان خاصةً وأنني أنهيتها ببصيصِ نورٍ يلوح من بعيد في نهاية النفق وهو ما قالوا أنه يشير إلى استعادة الثورة وماحدث في 30 يونيو.

هل تضع شروطًا مسبقة للقالب الإبداعي الذي تود أن يحوي فكرتك، فتقرر سلفًا ما إذا كان النص الوليد قصة قصيرة أم رواية أم مسرحية ربما.!؟

لا يمكن للكاتب أن يُدرك مُسبقًا هذه الفكرة التي تراوده يمكن أن تخرج إلى النور في ثوب الرواية أم القصة القصيرة لأن ذلك يعتمد على تفاصيلها. فالقصة القصيرة تناسب اللحظات أو الحالات الإنسانية شديدة الخصوصية والتكثيف، بينما تصلح الرواية لقراءة هذا العالم المتسع بكل ما يحويه من تناقضات وصراعات أزلية. وبشكل عام أترك الأمر لمشيئة القلم، فأنا نفسي لا أملك اختيار الفكرة من أساسها، هي التي تفرض نفسها علىّ تلاحقني وتقول  اكتبني. أعيش الحياة مع الناس بشكلها الطبيعي أتفاعل أتصارع أتصالح معها، ثم أجد فجأةً فكرة ما تطاردني وتلح عليّ لتخرج إلى النور.

هل تحاول أن تتخلص من هذه الأفكار التي تراودك لتكتبها؟

في البداية أحاول جاهدًا أن أطرد أية فكرة من ذهني لأنها تؤرقني. أطلب منها أن تنصرف وبالطبع لا تمتثل لأمري، أو تنصرف ثم تعود، وهنا أمسك بها وأتتبع خيوطها، ودائمًا ما تغريني الفكرة بما تكتنزه من أسرار تدعوني لاكتشافها وبلا وعي مني أجد أنها تقودني إلى مناطقَ وعـرة لا أستطيع الخلاص منها، خاصةً إذا كانت الفكرة مُدهشة وغير عادية. فأتصارع معها ولا أنتصرعليها إلا بالكتابة.

تزدحم أعمالك بالدلالات والإشارات الرمزية. برأيك هل زالت الحواجز التي تستدعي التواري خلف الرمزية أم إزدادت دواعيها؟

بشكل عام تبدد جزء كبير من المخاوف التي كانت تلقي بظلالها على المبدع. فالأوضاع السياسية والاجتماعية كثيرًا ما كانت تفرض على الكاتب قيودًا تدفعه للتحايل عليها بإخفاء ما يريد أن يقوله تحت ستار الرمزية، وبخاصةً إذا ما قرر الخوض في المسكوت عنه في الدين أو السياسة أو الجنس. ولكن أنا شخصيًا لم أهتم بهذه المخاوف على الإطلاق. لا أستخدم الرمزية خوفًا من الحاكم أو السلطة، لأني أستطيع أن أعبر بصراحة عما أريد. بل أحبها لذاتها وأستخدمها بغرضٍ فني. فالرمزية ترفع مستوى النص الأدبي وتجعل به طبقات جيولوجية وفنية. أعمد دائمًا إلى أن يكون لديّ على الأقل ثلاث مستويات في النص الواحد. مستوى أول سطحي لمن يريد أن يفهم المعنى القريب أو البديهي من حبكة النص وسير الأحداث. ومستوى آخر أعمق يتوغل فيه ويبحث عن معناه القارئ المثقف، هذا المستوى يعتمد على تأويل الدلالات الواردة في النص.

في روايتك “روح محبات” قدمت مزجًا أسطوريًا بين الخيال والرمز. إلى أي مدى تسهم الواقعية السحرية في استشفاف واقع الإنسان وإنارة قضاياه؟

أظن أن مساحات الخيال الشاسعة تسمح للكاتب أن يمسك جيدًا بزمام الواقع بكل تناقضاته وصراعاته. فكلما حلقت بعيدًا بدت الصورة جلية أمامك واستطعت التعبير عنها من أي زاوية تريدها. كانت تشغلني فكرة توغل أمريكا واستعمارها وتحكمها التام في الدول العربية على كافة الأصعدة الثقافية والاقتصادية، لكن التعبير عن هذه الفكرة بصورة تقليدية يصلح لمقالٍ سياسي وليس لعملٍ إبداعي قائم على الخيال. فجسدتها في “روح محبات” من خلال بناء فنتازي رمزي أحكي فيه عن طفرة حدثت لديك ينتمي لسلالة أمريكية. هذا الديك ينمو في زريبة سيدة ريفية في إحدى قرى مصر ويحدث له تحولات عجيبة يتضخم ليصبح بحجم الرجل. ويبدأ بالتلصص على هذه السيدة وهي ترتدي ملابسها، يعاشرها جنسيًا وينتقل إلى جميع بيوت القرية يغتصب بناتها لاشباع غرائزه ومطامعه. ويلهو بشرف القرويين البسطاء الذين تملكهم الشعور بالخزي والضعف. في الرواية ركزت على مفردات الحياة والقيم الريفية وكيف تغير حالها بفعل العبث الأمريكي.

إذًا ترى أن استغراق الأدب في محليته يمكن أن يأخذ أبعادًا عالمية ويعبر عن فضاءاتٍ أرحب؟

بالطبع. عظمة الأدب الرفيع تَكمُن في الرؤية الرمزية الواسعة التي تتخطى الحدود الجغرافية والأيديولوجية وتصلح لأي زمان ومكان. فمهما كان الأدب غارقًا في المحلية يستطيع المبدع أن يطوعه ليعبر عن العالم بأسره. وهذا ما فعله باقتدار أستاذنا العظيم نجيب محفوظ في رواية “زقاق المدق” على سبيل المثال. حيث جسد من خلال “حميدة” التي تتوق للخروج من الحارة الضيقة القامعة لأحلامها، معاناة الإنسان الأزلية في البحث عن حريته. وهو ما جعل الرواية تصل للعالمية وتحوّل لفيلم مكسيكي.

اللمحة الصوفية حاضرة بعمق في كثير من أعمالك. حدثنا عن ذلك؟

لا أحاول استعراض نزعتي الصوفية في كتاباتي. أحاول أن أبثها بصورة هادئة بسيطة، أجعلها في أعماق الإنسان الذي يبحث عن ذاته. فالبحث عن الذات يبدأ بالبحث عن الله، سنفاجأ أن الله موجود في كل شيء بل في كل سلوك. يمكن أن تجده في بكاء الطفل، وفي حب العاشقين، وفي الجنس بين رجل وزوجته. لأن ذلك فيه اندماج الكائن المحدود باللامحدود، ولكن هناك نسق ما يجب أن ندركه حتى نعرف الله، وهذا هو شاغلي الأوحد في الكتابة وفي الحياة.

دعنا ننتقل إلى واقع الساحة الثقافية في الوقت الراهن. بماذا تفسر تزايد اهتمام الكُتّاب بالجوائز الأدبية.. هل تسعى أنت شخصيًا لاقتناصها؟ وهل ترى أن الجائزة يمكن أن تصنع مُبدعًا؟

الجوائز لا تصنع مبدعًا على الإطلاق ولا تخلق أديبًا. لكن كل ما هنالك أن من حق الأديب أن يحظى بتقدير وبخاصة في بلادنا قليلة التقدير المادي والمعنوي للإبداع. ولكن في جميع الأحوال، لا يجب أن تأكل الرغبة في اقتناص الجوائز رؤوسنا وأدمغتنا وهذا ما نجده حاصل للأسف لدى كثير من الأدباء، مما يشغلهم حقيقةً عن جوهر الرسالة والدور الذي يفترض أن يؤديه الأدب. وبخاصةً في ظل “فوضى المعايير” التي تحكم اختيار الأعمال الفائزة بالجوائز، بالطبع لا يمكن تعميم ذلك فهناك جوائز تحظى بدرجة من النزاهة. لكني شخصيًا لا أسعى للجوائز مُطلقًا، لديّ الرغبة والأمل ولكنها لا تشغلني لأنني أكتب من أجل الكتابة وحدها لا غيرها. الأدب هو عشقي الأوحد هو زوجتي ومحبوبتي، هو رئتي التي أتنفس بها الحياة. وهبت نفسي للأدب لأني وجدت به خلاصي وحريتي ونجاتي، ولو لم تكن الكتابة لكنت الآن مجنونًا يهذي في الشوارع.

بعد مسيرتك الطويلة مع الإبداع ما القضايا التي تشعر أنها جديرة بالتناول؟ ما الذي لم تكتبه بَعد؟

هناك موضوعات كثيرة مازالت تحتاج إلى تناول وبخاصة القضايا المتعلقة بالمرأة وحقوق العمال والطبقية الاجتماعية، وكذلك المناطق البعيدة التي مازالت تعتبر للأسف منعزلة نوعًا ما عن المجتمع مثل واحة سيوة وحلايب وشلاتين وسيناء الغنية بالتراث البدوي والأحداث التاريخية والبطولات. منذ ثلاثين سنة كتبت عن حرب أكتوبر رواية “موسم العنف الجميل” إلا أنني أريد أن أكتب عنها عملاً آخرًا لأن الحرب مازالت تحمل العديد من الأسرار التي تتكشف لنا كل يوم.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى