فنون

“تاريخ الفنون”.. لماذا لا تُدَّرسه وزارة التعليم للطلبة؟

كتبت: وفاء حكيم

استمتعت كثيرًا بكتاب سلامة موسي تاريخ الفنون الذى تم توزيعه كهدية مجانية مع مجلة الدوحة .وفور قراءته تساءلت لماذا لايقدم هذا الكتاب للطلبة في مدارسنا؟! وهذه هى أسباب مطلبي من قلب هذا الكتاب الرائع.

إن الفن من أهم الوسائل التي يستطيع الإنسان التعبير به عن ما يجول في نفسه من أفكار ومشاعر، فقد رافقت الفنون الجميلة مسيرة الإنسانية، وتطورت بتطورها، وتأثرت بها، لدرجة أنها أصبحت تستخدم للاستدلال على مكنونات الشعوب النفسية، ونلاحظ هنا أن الفنون بأنواعها قد تستخدم للتعبير عن الأفكار وأيضاً قد تعبر عن المشاعر وتجسيد الجمال، فالفن هو الشيء السري المبهم الغامض والحس الداخلي الذي لايستطيع أحد أن يراه .

الفنون الجميلة أو الآداب الرفيعة كما كان يسميها العرب هي الموسيقى والشعر والنثر والرسم والنحت والرقص والغناء والتمثيل ، وغاية هذه الفنون هي الجمال ، فالجمال ذاتي في أذهاننا فالقبح والجمال قائمان في أذهاننا فقط ، فالرسام يدرك ببصيرته مرامى الفنون ويستطيع أن ينفذ إلى ما لا ينفذ إليه وينقل لنا روح المنظر ، فمهمة الرسام ليس النقل ولكنه يكشف لنا عما خفي عن أنظارنا من آيات الجمال في المنظر الذي يرسمه ، فالرسام يكشف لنا بخياله جمالاً جديداً للطبيعة التي ينقل عنها، فخيال الرسام أبعد في إدراك الجمال من الطبيعة التي ينقل منها فهناك مقولة للرسام الإنجليزي موسلر أعجبتني وتجسد لنا خيال الرسام في إصباغ روح الفن على الطبيعة المرسومة فيقول : ” عند التأمل لايسعنا إلا الإعتراف بأننا نمارس الفن الجميل لأننا نبتغي منه جمالاً نرى فيه ما يرضينا ” أي أننا في الطبيعة نرى نقصنا وبخيالنا نحاول ان نكمله بالفن الجميل . وينطبق ذلك على جميع الفنون حتى النثر والشعر ، فإذا كان المعنى عميقاً يبلغ القلب ويعكس لنا حقيقة بارعة . فالذي يجعلنا أن نقول ان هذا الشيء جميل وذاك غير جميل وأن نقدر الجمال ونحبه هو شيئ أخر غير العقل الذي يوازن ويبرهن ويعرف الأسباب والنتائج فنحن نفهم الجمال بشيئ أخر غير العقل إلا وهو ” البصيرة ” وهي التي نفهم بها الدين وتجعلنا نحب ونشعر بالرغبة في الخير والشجاعة والتضحية ، فالعقل وحده لا يعرف سوى الفائدة المادية المحسوسة ولكن البصيرة تناقض العقل تماماً وتطالبنا بأن نضحي بذواتنا بينما العقل يدعونا إلى الفرار والنجاة ومثال ذلك الموسيقى فنحن لا نفهم الأنغام والألحان بعقولنا وإنما ندركها ببصيرتنا فالذكاء من صفات العقل أنما الطرب من صفات البصيرة .

فالفنون الجميـــلة هي الصلـــة بين الطبيعة والإنسان ( من الرؤية تنشأ الرؤيا ) أي من الحقيقة ينزع رجل الفن إلى الخيال فإذا قلنا أن الفنون هي الجسر بين الإنسان والطبيعة فهي أيضاً الجسر بين الحقيقة والخيال . فالفنون الجميلة بالمعني البسيط هي محاكاة للطبيعة وفي عمقها تفسير رؤيا .

ومن الفنون الجميلة نجد أن أقرب الفنون إلى الذهن هو الشعر وأبعد الفنون هي الموسيقى فالأساس للفنون هي البصيرة .

عندما نتحدث عن الفن الجميل لابد أن نذكر هنا أن التربية والعرف والوسط لأنه له الأثر الأكبر في تكوين الذوق الفني .

فنجد أن من أهم عوامل إنحطاط الفن هو المنع من الناحية الدينية فنجد في عصور الوثنية كانت الفنون الجميلة عند المصريين والأغريق أسعد الفرص لأن الوثنية معابد فخمة وأصناماً تزينها رسومات وتنقش على جدارنها فعند عصور التوحيد قاومت هذه الفنون ، فالفنون من وجه النظر الدينية تعد نوع من الترف بما ان الأديان ترمى جميعها إلى التقشف والزهد ومن هنا كان سخط الأديان على الفنون الجميلة فعصر إنحطاط الفنون الجميلة بدأ مع أول إنتشار المسيحية إلى زمن عصر النهضة  فقد حطم المسيحيون الأصنام وهدموا المعابد في أيطاليا ومصر وسورية ونشأ على هذه الحطام الفن البيزنطي وأكثر الرسوم تعنى بالقديسين والعذراء والسيد المسيح . فقد بنى المسيحيون فنونهم على الأثار الوثنية القديمة على الرغم من كرههم واجتهادهم لتحطيمها ، فصورة السيدة العذراء وابنها ترجع إلى الصورة المصرية القديمة التي كانت تمثل الربه العذراء أيزيس وأبنها اوزوريس ، لكن الرسوم البيزنطية كانوا يهتمون بالهالة المنيرة حول الرأس وأكثر ما يهتمون بملامح الوجه وأعضاء الجسم والتذهب أكثر من الألون الطبيعية . فلما وجدوا رجال الفن المسلمون أن الدين يعارض النزعة الفنية  في الرسم والنحت ذهبوا إلى تصوير الجمال عن طريق الذهن لا عن طريق البصيرة فجعلوا فنونهم ذهنية فالفنون الإسلامية فنون تنقصها البصيرة والرؤيا والخيال فلما رأى المسلمون ضيق الميدان الذي يستخدم فيه الفن أضطرو إلى أن يجعلوا من الخط العربي فناً فزينوه وزخرفوه حتى صار له جمال خاص .

وبعد ذلك ازدهر شأن النهضة الإيطالية حيث وجدت لها أنصاراً يصرفون عليها المال الوفير, مثل أسرة ميديشي في فلورنسا وسوفرزا في ميلانو والبابوات في روما هذا المال الذي يكفي لأن يحول مايكل أنجلو،وليوناردو دافنشي، وساندرو بوتشيللي وغيرهم المال إلى جمال .

من أبز الرسامين في عصر النهضة على سبيل المثال وليس الحصر

ليوناردو دافينشي:

إلى جانب كونه موسيقيًا ومخترعًا عظيمًا، كان دافنشي نحاتا ورساما باهرا أيضا، تميزت لوحاته بالتركيز على الوصف الحقيقي لعالم الطبيعة كما في لوحة “عذراء الصخور” و”العشاء الأخير”.

ولد دافنشي في عام 1452 في توسكانيا، وهو رسام “الموناليزا” تلك المرأة ذات النظرة الغامضة التى تقبع الآن في متحف اللوفر وصنفت كأشهر لوحة فنية في تاريخ البشرية .

مايكل أنجلو:

رسام ونحات وشاعر إيطالي، كان دائما ما يخلق عدة معاني من لوحته من خلال دمج الطبقات المختلفة في صورة واحدة، ومن أشهر أعماله “تمثال النبي داوود” ورغم اعتبار رسم اللوحات من الاهتمامات الثانوية عند أنجلو إلا أنه تمكن من رسم لوحات جدارية عملاقة أثرت بصورة كبيرة على منحى الفن التشكيلي الأوروبي مثل تصوير قصة “سفر التكوين” في العهد القديم على سقف كنيسة سيستاين، ولوحة “يوم القيامة” على منبر كنيسة سيستايت في روما.

رافاييل

يعد رافاييل واحدًا من أعظم رسامي عصر النهضة الإيطالية وأكثرهم تأثيرًا بوالده الرسام جيوفاني سانتي، تكمن روعة رافاييل في موهبته بوصفه مصورا موضحا.. أي تصوره للرؤية المثالية التي تنطوي عليها مخيلة الفنان، كان له طابعه الخاص القائم على التدرج اللوني الدافئ، وعلى المواضيع الهادئة والمناظر الواسعة.

من أشهر لوحاته لوحة “زواج العذراء” ولوحة “مدرسة أثينا” في الفاتيكان ولوحة “العائلة المقدسة” ولوحة “عــذراء سيستينا” بمتحف درسدن.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن الفن هو سجل مشاعر الإنسان ومواقفه الجمالية العاطفية إزاء الطبيعية ويكمل أحدهما الأخر وإن حاجة الإنسان للفن قديمة قدم الحياة والفن ليس حلما وتصوراً وتأملاً بل هو إنتاج وإبداع من خلال التعمق والتبحر في الخيال الفلسفي من خلال الإحساس ، فكل عمل إبداعي يخضع للحاسة والبصيرة هو فن  .

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى