مقالات

عَالَمْ صُوفِيّ

كتب: منتصر أمين

منتصر أمين
منتصر أمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

“مَنْ أنت؟”..

“مِنْ أَيْن جَاءَ العالم؟”..

بهذين السؤالين البسيطين في ظاهرهما، العميقين في جوهرهما يصدم “جوستاين غاردر” القارئ، يجعل عقله مستعداً للتجاوب مع محاوراته وتساؤلاته الفلسفية.. تساؤلات طالما دارت بخلد أغلب البشر لكنهم حتماً لم يتمكنوا من الحصول على إجابة قاطعة.. ليس لنقصٍ في إدراكهم أو لعلةٍ في عقولهم، لكن لأنهم لم يبحثوا عن الإجابة بالطريقة الصحيحة..

قد يقول قائل أن الإجابة عن هذه التساؤلات موجودة في الكتب السماوية، فلا داعي لشغل عقولنا بالبحث عما هو موجود بالفعل.. لكني أقول أن هذه الرواية لا يعنيها إذا كانت الإجابات موجودة من عدمه.. فقط ما يعنيها هو طريقة البحث عن هذه الإجابات.. والطريقة الصحيحة المقصود بها هنا هي العقل المتفتح، الغير منغلق على أفكار ثابتة.. أو بمعنى أدق تابوهات تم إعدادها وتمريرها للعقول من قديم الأزل..

حسناً.. من الواضح جداً أن هذه الرواية يمكن تصنيفها على انها رواية فلسفية.. فاذا كنت غير معني بأمور الفلسفة وأخبار الفلاسفة على مر العصور فاعلم أنك ستستفيد منها الكثير والكثير.. وأتحداك.. نعم هي بالفعل كلمة “اتحداك”.. أن تخرج بعد إنتهائك من هذه الرواية مثل ما كنت قبلها..

لا أعلم تحديداً من أين ابدأ كتابتي عن هذه الرواية الممتعة.. فهي عمل أعتقد أنه من تلك الأعمال التي ستظل إلى جواري دوماً.. فالكتب التي تغير من حياتك وتقلب عقلك رأساً على عقب هي في الحقيقة كتب قليلة للغاية.. وهذه الرواية أراها من تلك النوعية النادرة .. فعلى الرغم من قراءاتي المتعددة في الكتب الفلسفية وغرامي بها إلا أن رواية “عالم صوفي” كانت وعلى مدار فترة طويلة جزء من حياتي ساهمت في تغيير نظرتي للكثير من الأمور التي كنت أعدها من المسلمات التي أقبل بها دون نقاش..

حسناً تكفي الآن هذه المقدمة ولندخل إلى لُبِّ الموضوع.. سنبدأ من أول الرواية بمقولة الأديب الألماني الشهير “يوهان غوته”.. “الذي لا يعرف كيف يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة”..

فالرواية تدور أحداثها في النرويج عام 1990 حول “صوفي” الفتاة ذات الـ 14 عشر ربيعاً وعالمها الذي نسجه حولها معلمها الفيلسوف “ألبرتو كنوكس”..

تبدأ أحداث الرواية بداية متوترة مشوقة.. حين تجد “صوفي” رسالتين غامضتين في صندوق بريدها.. ثم تجد بطاقة بريدية معنونة إلى “هيلد مولار كناج” مرسلة بواسطة “صوفي” نفسها.. ثم تستقبل بعد ذلك مغلفاً يحتوي على مجموعة أوراق، تجد فيها دروساً فلسفية مكتوبة بأسلوب غامض في الشرح وأيضاً في طريقة التواصل.. تعرف بعد فترة أن مرسل الرسالتين الغامضتين هو السيد “ألبرتو كنوكس” الذي يكشف عن شخصيته فيما بعد لتصبح بعد ذلك تلميذته التي تنهل على يديه علوم الفلسفة.. يهدأ بالها قليلاً حين تعرف أنه هو مصدر الرسائل وأوراق الفلسفة.. إلا أنها تعرف أيضاً أن البطاقة البريدية لم تكن منه على الإطلاق …!!
للوهلة الأولى قد يعتقد البعض وخصوصاً الغير مهتمين بالفلسفة أنها رواية مملة وثقيلة..  لكنها على العكس من ذلك تماماً.. تنتشلك من الحاضر بعنف وتخوض بك في غمار العصور اليونانية القديمة بدءاً من فلاسفة الطبيعة ثم سقراط وأفلاطون وأرسطو، ثم العصور الوسطى وعصر النهضة، ثم عصر الباروك عبر ديكارت وسبينوزا وهيوم وبيركلي، ثم عصر التنوير وفلاسفة الرومانسية، ثم تبحر بك مع أفكار ماركس وداروين وفرويد، وأخيراً تحط رحالك في عالم الواقع بعد رحلة فلسفية رائعة عبر التاريخ.. فهذه الرواية مشوقة للغاية ومليئة بكم هائل من المعلومات والمعرفة.. لكن التشويق لا يأتي من الأحداث بل من المعلومات والطريقة السهلة لسردها.. ان كنت لا تعرف اي شيء عن الفلسفة فهذه الرواية ستكون بداية ممتازة لك.. وبعد قرائتها ستعيد التفكير في أشياء عديدة كنت تعتقد أنها من المسملمات..

بالنسبة لي ككاتب أجد أن أهم ما يميز هذه الرواية انها تسرد معلومات صعبة ومعقدة للغاية بطريقة سلسة تناسب كل الأعمار ومختلف العقليات.. فالسرد فيها يدفع و يشجع على التفكير، يترك مساحات كافية للقارئ لإستنتاج الإجابات دون فرضها عليه كمعلومات مسلم بها.. حيث قام المؤلف بقدرة يحسد عليها بنسج المعلومات الفلسفية الجافة في إطار من السرد البسيط المغلف بحبكة شيقة.. ويظهر ذلك جلياً لمن كان قد قرأ كتاب (قصة الفلسفة) للفيلسوف والمؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت”.. تقريباً ستجد أغلب المعلومات والآراء الفلسفية ذاتها.. لكن يكمن الفارق في أن رواية “عالم صوفي” تمكنت من توصيل هذا الكم الضخم من الآراء الفلسفية للقارئ بسهولة ويسر..

فالفلسفة كما هو معروف هي طرح الأسئلة الغامضة والوجودية في محاولة لتحليل الكيان الإنساني ووجود الكون.. قد توجد إجابات عن تلك الأسئلة في الديانات والعقائد المختلفة.. لكن تبقى الإشكالية الكبرى.. أي تلك الإجابات حقيقة؟ وهل يجب أن نتوصل بالضرورة إلى إجابة ما؟.. ام أن الفلسفة هي مجرد التفكير وطرح الأسئلة بلا إجابات..  تجيب الرواية على هذه الإشكالية في أحد عباراتها.. “وصلت صوفي إلى أن الفلسفة ليست شيئاً يمكن تعلمه، وإنما يمكن تعلم التفكير بطريقة فلسفية”..

في الختام وجدت أن رواية “عالم صوفي” كُتبت في قالب روائي ممتاز شيق يسلب عقلك وينسيك الطابع الجاف للفلسفة والتاريخ.. كما تعتبر الرواية بداية جيدة لقراءة الفلسفة وتكوين صورة واضحة لأساسيات علم قديم يدعو للدهشة والفكر دائماً، عدم التسليم بالمعلومة مجردة من جذورها وأصولها..

وأختتم هذا المقال بعبارة أعجبتني من الرواية.. “الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح الإنسان فيلسوفاً جيداً هي قدرته على الدهشة!”..

#دمتم_مبدعين

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى