التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

الشيخ إمام

كتبت: رشا سنبل

 

كيف لك وأنت غائب عن الوجود بكل حواسك تستمع إلى السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، أن يتخاطر إلى ذهنك صوت الشيخ إمام وهو يدق قلبك بكلمات أحمد فؤاد نجم وألحان الشيخ .. شيد قصورك على المزارع من كدنا وعرق إيدينا؛ تلك الأغنية التي أُشتهر بغنائه لها وهو ذاهب للمعتقل عند إلقاء القبض عليه بعد نكسة يونية حتى الإفراج عنه بعد اغتيال الرئيس الراحل السادات، قلب الشيخ إمام موازين الأغنية في عهده، وكان أول سجين بسبب الغناء في الثقافة العربية!

قضى سنوات من عمره في سجن من سجون مصر في أسوأ ظروف من الممكن أن يحيا بها إنسان، وما بين محبسه في ظلامات السجن وظلمة العمى، الذي أُبتلي به منذ نعومة أظافره خرج هو بالنور من خلال صوته وألحانه وكلمات رفيق دربه الشاعر نجم، تعجب له وهو يتغني بإعتزاز بمصريته في أغنية مصر يا أمه يا بهية يا أم طرحة وجلابية، يمسح بذلك الفخر آثار الإنكسار، الذي شعر به كل مصري عقب نكسة يونية، وبتحدي سافر لسلطة غاشمة أرادت أن تقهره ، سخر بأغنية رجعوا التلامذة يا مصر إنتي اللي باقية، وظل على سخريته من الفقر، الذي لم يعرف غيره حتى وفاته،  مثل أغنية اللحمة والفول.. يتعرض فيها بالسخرية عن أن مصدر مسئول يصرح بأن من مصلحة الشعب المصري أن يأكل الفول لأن أكل اللحمة ستحوله إلى غول! ويستمر على سخريته اللاذعة وهو يؤكد على أن الفقراء هم الأرض حطبها ونارها.. وأحنا الجيش اللي يحررها وأحنا الشهداء من كلمات أغنية إحنا مين وهم مين!  وأغنية بقرة حاحا، تلك البقرة الحلوب المسكينة، التي تحلب قنطار، لكن إنتاجها مسلوب من أهل الدار.. وبالرغم من كل المحاولات لحجب أعمال الرجل إلا أنه أغانيه لاقت رواجا كبيرا ، حتى أنه في منتصف الثمانينيات تلقى دعوة من وزارة الثقافة الفرنسية لإحياء بعض الحفلات في فرنسا، فلاقت حفلاته إقبالاً جماهيرياً كبيراً، وبدأ في السفر في جولة بالدول العربية والأوربية لإقامة حفلات غنائية لاقت كلها نجاحات عظيمة.

وبعد حياة شاقة منذ ميلاده في قرية أبو النمرس حتى لقي ربه في  منتصف التسعينات، آثر الشيخ إمام بعد أن جاوز عمره السبعين العزلة والاعتكاف في حجرته المتواضعة بحي الغورية ولم يعد يظهر في الكثير من المناسبات كالسابق حتى توفي في هدوء في 7 يونيو 1995 تاركاً وراءه أعمالاً فنية نادرة، مازالت تلقى إعجاب الكثير، وردد الشباب أغانيه أيام ثورة يناير، كأن الرجل مازال حيا يتغنى بالحرية حتى وهو في كنف الرحمن.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة