التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

«كتيبة سوداء»

كتبت: نضال ممدوح

 

نضال ممدوح
نضال ممدوح

مابين إنكسار أرواح أبطالها في تجربة السبي ومن ثم الرق والعبودية في رحلة سوداوية٬ وبين صراعات القوي الدولية من أجل التسابق والتناحر للفوز بالنصيب الأكبر من كعكة نصف الكرة الأرضية الجنوبي صاحب الحضارات القديمة٬ تدور أحداث رواية “كتيبة سوداء” للكاتب محمد المنسي قنديل٬ عبر أربع سنوات من عام 1863 إلى عام 1867 يرصد المؤلف فترة منسية لم يتناولها التاريخ إلا شذرات قليلة هنا أو هناك٬ وربما كان الأمير عمر طوسون باشا أول من تناولها في كتابه “بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك”٬ تنطلق الرواية من حادثة الكتيبة المصرية التي حاربت تحت لواء الجيش الفرنسي في المكسيك عام 1863؛ حيث طلب الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث من الخديوي سعيد باشا، مساعدته في حربه ضد الشعب المكسيكي، التي بدأت منذ عام 1861، فأرسل له “أورطة” كتيبة من الجنود المصريين والسودانيين.
يمكننا القول بأن “أنسنة” التاريخ ٌهي الوصف الأدق للرواية التي تناولت تاريخ ناسه البسطاء شديدي العادية من ‬الفلاحين والصناع والصيادين وحياتهم البسيطة بدون أطماع أو أحقاد لا يصنعها إلا الأباطرة والملوك في قصورهم الباردة المسيجة ٬ انحازت ” كتيبة سوداء” بشرف للقيم ضد القهر والعبودية وتعبير عن الشجاعة والصلابة، والحرب والحب والمصير الإنساني،لكنها لم تغفل كذلك الجانب المظلم الآخر في النفس البشرية وغرائزه الدموية :” يقودهما الحديث لبداية صفقة بأسرع مما توقع ٬ يقول ود الزبير في قوة : إنها قادرة علي قتل كل أعدائك أيها السلطان وأن تجعلك السلطان الأوحد في هذة الغابة ” ويبيع كبير القبيلة ٤٠ من رجال قبيلته إلي النخاس ” ود الزبير” في مقابل ستة بنادق ٬ والذي بدوره تدور الدائرة عليه ليلقي مصيرا أسود علي يد المرأة البيضاء في صفقة قتل أخري .
السلاح والحروب٬ جنون السيطرة وغزو العالم والهيمنة علي مقدرات الشعوب ٬ المركزية الأوروبية وأوهام الرجل الأبيض ٬ كلها

محمد المنسي قنديل
محمد المنسي قنديل

أجواء صبغت الرواية فنجد الملكة ” شارلوت” زوجة الملك “ماكسمليان”تشجعه علي قبول عرش في قارة أخري بقولها :”سنحكمهم يا حبيبي ٬ في عروقنا ما يكفي من الدماء الملكية٬ سننقل إليهم كل ما لدينا من نبل “وفي موضع أخرتقول :” أنت رسول الحضارة الأوروبية لتنقذ هذا البلد وتعيد بناءه ” ٬ بل وفي مفارقة شديدة الفجاجة والعبثية تتجلي في كتيبة عسكرية مصرية تحت القيادة الفرنسية تتكون من خليط من الأجناس ٬ جبرة الله الشامي ٬ بوعلام الجزائري ٬ العاصي السوداني ٬ جوفان النوبي ٬ محمد أفندي ألماس الأسواني ٬ مظلوم أفندي المثقف ومأزقه من الحروب من ظن أنه سيسافر إلي “باريز” ليجد نفسه متورطا في حرب لا يعرف سببها تدور رحاها في أرض غريبة ويدفن في قبر لا يعرف إليه أحد طريقا .
“كتيبة سوداء ” رواية إستثنائية يمكن قراءتها من المدخل الإنساني ٬ تاريخ الانسان المجهول الذي أغفله المؤرخون علي حساب تاريخ الملوك والدول والأمبراطوريات ٬رواية تعري صراع القوى القديمة التي تملك قرارها وتمارس سحق الشعوب الفقيرة والتي لا تملك قرارها لكنها تملك المقاومة ولا ترتضي بالخنوع ٬ رواية عن الكائن المدهش المسمي “إنسان” عن تعقيداته وتناقضاته نقلها قنديل في أكثر من موضع ومن خلال مشاهد عديدة وعلاقات إنسانية بعيدة عن الحروب والأطماع شديدة القرب للفطرة والمحبة ما بين رقصة” جوفان “لأسراه من الجنود المكسيكيين ومشاركتهم خبزهم ورفضه قتلهم ٬ وقصة الحب التي تجمعه بالمكسيكية “ماريانا” التي تستعيده من براثن الموت ليمتلك الغابة من جديد ويفارق العالم الشرير .

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة