مقالات

«الأسماك تضئ أيضا» .. لا خروج من مدينتنا إلا لبحر و قبر

كتبت: مي عادل

مي عادل
مي عادل

“فلا خروج من مدينتنا إلا لبحر و قبر، لذلك اختار النهر أن ينتهي هنا ليدفن رأسه عند الخط الأزرق الذي يفصلنا عن سواد الأرض، لنعيش دائما فى مواجهة العالم الأخر بين الشمس و القمر، النجوم والماء، و الملح و العذب، و الحياة و الموت.”

يأخذنا محمد سامى البوهى من خلال روايته الواقعية «الأسماك تضئ أيضا» الصادرة عن دار نون،  و التي أكد على واقعيتها فى الغلاف إلى عوالم الصيادين المنسية، التى لم يتعرض لها أحد من قبل إلا فيما ندر، داخل الجزر البعيدة حيث الماء فقط و لا شئ سواه، منه الرزق و فيه الحياة و الموت أيضا.

جاء غلاف الفنان عمرو الحو برسمة الصياد الذي يهم بإلقاء شباك رزقه مع خلفية الفنار المضئ تحوم حوله الطيور المغردة متسق مع مضمون الرواية و عنوانها.

و مع أولى الصفحات نبحر لنبدأ الرحلة نحو الفنار مركز النور الساطع فى عتمة الليل مرشد السفن و وهج البحار، لنتعرف على أجواء العمل به من خلال عامله العجوز الذي اخذ على عاتقه تدريب العامل الجديد، فلم يدربه على تشغبل ماكينات الفنار بل بثه فلسفة البحار الذي كان قد ابتعد عنها بعض الشئ ثم عاد ليؤدب نفسه.

نترك الفنار لنستكمل رحلة “نور” الشخصية الرئيسية فى الرواية لنتعمق معه أكثر فى عالم الصيادين البسيط الذي لا يشغل همه اى ما يحدث فى البلاد سوى ما يؤثر على رزقهم، فلا تجدهم يطالبون باكثر من سبل الحياة البسيطة، لا يريدون الإ ان تتاح لهم فرصة العمل، إلا ان ليس كلهم كذلك فنرى ايضا المثال السئ الذي يفضل التهريب كرزق سهل على الرزق الحلال.

متاعب عدة يحاول الكاتب تلخيصها و لعل أبرزها جاءت فى تخطى المياه الإقليمية و ما جلب ذلك من متاعب للجميع و كيف تم التعامل معه.

أتبع محمد سامى البوهى مدرسة الواقعية السحرية فى روايته فجاءت اقرب للواقع بشكل كبير وضح ذلك من خلال الوصف المغرق فى التفاصيل لكل شئ من أماكن للأحداث لشخصيات حتى بات القارئ يرى من خلال الكلمات.

حاول اتباع مدرسة الرمزية فى الأسماء فجاءت متسقة مع بعض الأشخاص و البعض الأخر لا.

نور: الشخصية الرئيسية جاء اسمه متسق مع دوره فى العمل فهو واهب النور للبحر من خلال عمله فى الفنار، و واهب النور للصيادين من خلال عمله معهم على المركب فيجتاز بهم ازمتهم و ينجيهم منها، و بغيابه عن اولاده فى طفولتهم يفقدوا النور و لا يجدوه الإ بعودته،فينير لهم دنياهم و دنيا ابنائهم و ابناء الجزيرة كلهم، و كما ذكر الكاتب عن فلسفة النور الذى يخرج من شدة الظلام، ندرك ذلك من معاناة نور فى الأسر و فقدان الصديق تلك المعاناة التى افقدته الأهتمام بأى أمر خارج الفنار فلم يعد لأى خبر خارجه صدى حتى يصطدم بالثورة، و تعيده السخرية من جهله لذكرى معاناة الأسر.

عادل: الصوت الأخر فى الرواية، الذي يمارس أقسى درجات العدل حتى مع نفسه، فيقسو عليها بنفيها فى عالم الفنار بعد ان ترك ارض الملح ليحمل أهله هم العيش بلا معين، أيضا و منذ اللحظة الأولى نجده يؤنب نفسه طوال الوقت على علاقته بكاميليا على الرغم من تمنيه لها فى كل لحظة، يبحث عن أكل اللحم الحلال و يأخذ لحم النساء الحرام، يشتهى الشامبانيا و يكره اشتهائه لها، يدور فى فلك فتى موسى فى توازن الخير و الشر بداخل اغلب البشر.

راضى: العامل الأخر فى الفنار الذى يهرب من عالمه الرئيسي لعالم اخر يشكله كما يحلو له و يرتضي به

جاءت الشخصيات النسائية عدا كاميليا باهتة و دون تشكيل فعلى، فلم اشعر بوجود فادية و كانت سميحة نسخة من جابر و كلاهما لم يكن لأساميهم اى دور رمزى، ولا لوجودهما التأثير المرجو منهم، الإ ان شخصية نسائية واحدة عرضت سريعا و لم يذكر حتى اسمها كانت الأكثر تأثيرا فى شخصي و هى والدة عادل بائعة السمك، أيضا شخصية الحفيد و الذي هو من المفترض امتداد لنور كما كان هو امتداد لأبيه جاء بشكل بارز و مؤثر اكثر من ابيه.

السرد متماسك و متقن، ينم عن أديب ذو شأن ليس بالقليل، طغى السرد على الحوار فلم يتواجد الإ قليلا، فجاء بشكل مبسط وسيط مل بين الفصحى و العامية (و ذلك الأقضل بالنسبة لذائقتي). تأثر الكاتب على مدار العمل بقصص الأنبياء فتلرة نجده يسير الأحداث وفقا لقصة سيدنا موسى و الخضر، و تارة يستشهد بقصة سيدنا يونس و الحوت، و تارة اخرى يذهب بخلافه مع ولده لقصة سيدنا نوح و ولده، جاءت النهاية غريبة غير متوقعة بل و تكاد تكون غير مفهومة أيضا.

“فوقعنا فى قلب المربع الوجودي الأعظم، الضوء، و الصوت، و الملح، و العذب، و بعد أن توقفنا بالقارب عند مجمع البحرين، كشفت الغطاء عن وجه حفيدي، ليشهد لحظة ميلاد العالم”. أعترف أنى بعد قراءة هذه الجملة أتوق إلى زيارة هذا المكان لأشهد لحظة ميلاد العالم.

محمد سامى البوهى شكرا لك على ابداعك هذا العمل و ننتظر منك الأفضل مستقبلا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى