التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

القصيبي هل كان يتداوى من السرطان بالزهايمر ؟

كتبت: أمل طه

 

YBTفى فيلم Still Alice”” ” المأخوذ عن روايه لـ “ليزا جينوفا ” بنفس العنوان والذى تدور أحداثه حول (أليس)  عالمة اللغويات التى تصاب بالزهايمر، تصرخ أليس فى مشهد من أكثر مشاهد الفيلم وجعًا، وتتمنى أن تصاب بالسرطان عوضًا عن الزهايمر حيث وقتها سيكون جسدها  هو المريض وليس عقلها بعد أن حولها المرض إلى شخص أخر لا يعي ما يدور حوله.

على عكس ما تمنت أليس يكتب غازي القصيبي  أقصوصته  ألزهايمر وهو على فراش المرض يعانى من سرطان القولون فى محاولة  منه ربما لتناسى مرضه، أو ليحرر نفسه من سطوة السرطان فى محاوله للتطهير من مخاوف المرض وبطشه.

أقصوصة ألزهايمر عبارة عن 12 خطاب يكتبهم ” يعقوب العريان ” بطل العمل فى شكل يوميات  لزوجته، يستعرض من خلالها  قلقه من الفقد والنسيان فيسترجع كافة التفاصيل ويغوص فيها فتصبح معضلته هى التذكر وليس النسيان تتزاحم الذكريات وتشكل عبأً عليه كل منها يحاول أن يثبت وجوده  قبل أن تمحى بفعل الزهايمر .
“لم يعد الوقت يتسع لكل الذكريات، ولا أعرف أنا كيف أنظمها . ليس لي سوى أن أترك الأمر للذكريات نفسها ، ترتب أولوياتها في ما بينها بطريقتها الخاصة وأفتح خلايا المخ وأنتظر .”

أعجبتنى  فكرة السرد عن طريق خطابات البطل لزوجته, زوج يتعرى أمام زوجته ويفضى لها بهواجسه عن المرض، خوفه من ضياع  ذكرياته معها فيحدثها عن لقائهم الأول عن قصه حبهم عن ابنهم،  وعن ميلاد ابنتهم  عن قصه زواجه الأول، وكأنه يوثق لحياته قبل أن يسرقها منه الزهايمر, يخبر يعقوب زوجته عن خوفه من أن يأتى اليوم وينسى اسمها وكيف التقيان يخاف من توحش المرض الذى سيسرق منه ذكرياته عن أمه وعن أبيه يخاف من ضياع ماضيه  وبتالى ضياعه.

ينتقل يعقوب  من فقرة شحن الذكريات إلى حياته  داخل المصحة ويسلط الضوء على العلاقات الإنسانية من خلال عرض بعض النماذج للنزلاء الذين يشاركوه المرض ويصور كيف ترك شبح الزهايمر بصمته عليهم فيبدأ بالحكى عن   بروفيسور “ديمرى ديلنجر”  الذى وصفه يعقوب بإنه مصاب بإختلاط  وتداخل فى الأمور والهلوسة – على عكس ما يصاب به مرضى الزهايمر فهم لا يصابوا بالهلوسة – فديمرى الذى تحدث عن علاقته بمارلين منرو وحرب فيتنام وعن اليهود والسد العالى ويدعى إنه هو  كسينجر  ولكنه متخفى بدى كرجل مختل أكثر منه مصاب بالزهايمر .

ثم ينتقل إلى  شخصية أليزابيت جرينجر المليونيرة الشهيرة التى  يلعب معها يعقوب لعبه الذكرى الأولى  فيختبرها بسؤالها عن ذكرياتها عن أول قبله و أول يوم دراسى  وأول حب لكنها تفاجأه  أنها تتمنى أن تتذكر ذكريات أخر مرة، أخر مرة قبلت فيها أمها على سبيل المثال كاشفة لك عن أبسط ما يسلبه منك الزهايمر اللعين .

ويحكى يعقوب عن الممثل الشهير جيفرى بورز محطم قلوب الملاين وكيف انتهى به الحال داخل المصحة .

ستلاحظ أن القصيبى اختار مهن شخصيات العمل بعناية،  فجميعهم من نجوم المجتمع  والمشاهير ربما أراد أن يوضح الانحراف الهائل فى مسار حياة الشخص من شخص ذكى وفطن استطاع أن يصل إلى مكانة إجتماعه مرموقة، وتحوله إلى أخر لا يعى أبسط وظائف جسده الحيويه فيبلل سرواله دون أن يدرك ما يحدث له فتتجسد مأساه الزهايمر.

يتعامل يعقوب مع الزهايمر بشكل فلسفى فيؤكد أنه سيساعده على نسيان الأمور السيئة فى حياته ويتنصر لنفسه على ذلك السارق ثم سرعان ما يجد نفسه فى قلب الهزيمة  فالزهايمر لن يفرق بين ذكرى طيبه وذكرى سيئة سيقضى على الأخضر واليابس فلا يبقى له سوى الموت .

“صديقي الزهايمر لا يفرق بين شيء جيد وشيء سيء . لا يفرق بين ذكرى القبلة الحالمة وذكرى الطعنة القاتلة . لا يفرق بين ما فعله الأعداء وما فعله الأصدقاء . يمحو كل شيء . ولعله يمحو الأشياء الطيبة قبل الأشياء الرديئة  عندما يذهب كل شيء أي معنى يبقى للسعادة ؟ ما هي السعادة ؟ أليست السعادة في التحليل النهائي مجموع التجارب السعيدة ؟ بلا ذاكرة لا توجد تجارب .. لا يوجد سوى الفراغ .. فراغ الموت”

الخطاب الثانى عشر يحمل فى طياته النهاية ؛ فهو رساله من طبيب يعقوب يخبر زوجته أن قلبه الصغير لم يحتمل الزهايمر فمات معتلاً  بقلبه وليس عقله .
أقصوصة ألزهايمر الصادرة عن دار بيسان للنشر والتوزيع عام 2010  هى العمل الأخير لغازى القصيبى  قبل وفاته بالسرطان لتنهى مسيرة  حافلة بالأعمال الأدبية .

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى