مقالات

خالد عاشور يكتب: «تاكسي أبيض» … لواقع أشد سوادًا

كتب: خالد عاشور

 

خالد عاشور
خالد عاشور

في أجواء كافكاوية مليئة بالفانتازيا والتناقضات الساخرة تسبح مجموعة (تاكسي أبيض) للقاص شريف عبد المجيد والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية عام 2014 والمكونة من 134 صفحة من القطع المتوسط.

تحتوي المجموعة على أربعة عشر قصة، مقسمة إلى قسمين كل منهما يحتوي على سبع قصص.. التقسيمة ذاتها بها من الكافكاوية السوداوية الساخرة والتي تحيلنا إلى سباعيتان.. السباعية الأولى أو القسم الأول هو (القبض على سمكة) وبه سبع قصص.

وكما يولد ابن سبعة عصبياً عنيداً ولدت قصص شريف عبد المجيد.. ما يميز شريف عبد المجيد هذا التكثيف الرائع للجمل في كتابته، فمار يريد أن يقوله بكلمة لا يتمادي ليقوله بأكثر.

القسم الأول وهو (القبض على سمكة) به من الدلالة ما يوحي بما سيأتي في القصص القادمة، وكأنه يخبرنا أننا أمام كاتب لا يريد أن يريحك في كتابته.. إذ انه رغم السوداوية المليئة بالفانتازيا والسخرية إذ ما دققنا القراءة سنجد أنها تخفي إحباطات وطن يعيش حالة أشد كافكاوية مما كتب شريف عبد المجيد في قصصه.

يجتر الكاتب أحزانه وأحزان أبطاله وأحزاننا جميعاً معهم.. ففي قصته الأولى (الطرد) والتي تخفي من الدلالات أكثر مما تشير، إذ أن العنوان في البدء يحتمل التأويل رغم بساطة مدلوله.! إذ أن القصة تحكي عن طرود تصل لجميع من بالدولة من وزارات وشركات وشخصيات عامة وأخرى بسيطة دون تمييز.. والطرد عبارة عن جمجمة.. الجمجمة هنا ترمز للموت.. غير أن الدولة لا يشغلها من صاحب الجمجمة ولا من قتله أو كيف قتل.. إن كان مقتولا او متوفياً طبيعياً بقدر ما يشغلها من يرسل الطرد إلى أن تقدم الحكومة استقالتها ويتغير النظام بسبب الطرد. . غير ان الطرد لا زال يرسل رغم التغيير الحادث، ربما هو إسقاط شريف عبد المجيد لما يحدث الآن.. فرغم الثورة وما حدث من تغيير لا زال الطرد يرسل للجميع.. لأن التغيير هنا تغيرا شكلياً لا جوهري.. فقد شغل الجميع بمن يرسل الطرد دون الاهتمام بمن صاحب الجمجمة.. ربما الطرد هنا إحالة أخرى إلى كلمة (الطرد). فقد طرد النظام من الحكم بينما بقي الطرد في الإرسال.. فالتغيير حين يكون شكلياً فلن يتغير شيء.

تاكس أبيضيمضي بنا شريف عبد المجيد في قصته الثانية (العمل) لامرأة مسنة لم تتزوج تتخيل أن جارتها سبباً في عدم زواجها وعثرتها في الحصول على زوج.. وحين تموت الجارة تشتري شقتها وتنبش قبرها بحثاً عن (عمل) خبأته لها وقد استولى عليها هاجس أنها السبب في سوء حياتها… الغريب أن الناس يتبركون بها ويعتبرونها من الأولياء الصالحين.. هذا إسقاط آخر يحيلنا إليه شريف عبد المجيد.. ربما المرأة هنا هي الوطن وخيباته وتعليقها على شماعات الغير حتى يبرر لنفسه خيبته بين الدول.

“طير الأبابيل” هي القصة الثالثة في السباعية الأولى من المجموعة حيث البطل المؤلف الذي يكتب عن شخص محول للتحقيق وزوجته التي ترى أن حياتها ضاعت.. ربما هو إسقاط آخر من إسقاطات شريف عبد المجيد حيث أن «العمر يتسرب كما تتسرب الرمال من الساعة الرملية. لا شيء يرجع للوراء، ولا أمل يلوح في نهاية النفق: الحياة الورطة الكبيرة التي ندخلها بغير إرادتنا».

وتأتي قصة “القبض على سمكة” عنوان السباعية الأولى.. لتعيدنا إلى المفارقة الفانتازية في القصة الأولى “الطرد” لتصل إلى نفس النهاية حين يغيب العقل العلمي ليحل محله العقل الأمني في مواجهة سمكة قرش .. وهي قصة فعلية حدثت في مصر منذ سنوات.. فيسرد فيها القاص تناول الدولة بكافكاوية علاج المشكلة مروراً بالقبض على طائر واتهامه بالتخابر لوجود جهاز تتبع في قدمه لدراسة سلوكه وحياته من علماء في الحيوان.

غير أن النهاية في المجتمعات المغيبة والتي تحكمها أنظمة متخلفة يتم فيها القبض على سمكة القرش والتحقيق معها واعترافها بمخططاتها الخبيثة لإفساد اقتصاد الدولة الساقط فعلا.

يستمر شريف عبد المجيد في الحكي عبر عالمه الكافكاوي بامتياز ساخر حد الألم.. موجع حد الألم كما في قصته (السيد الذي لا يحب الطيور).. وقصته الغرائبية (اعترافات سارق الونش) التي تفضح فساد المؤسسات الحاكمة وحياة صحفي مخبر صنعه النظام للإلهاء ثم بعد ذلك يتم الاستغناء عنه ومساومته بين تلفيق تهم أو المضي بعيداً.

ينتقل بنا شريف عبد المجيد بنفس النفس الكافكاوي المأساوي والعبثي في أحيان .. المؤلم في آن واحد إلى سباعيته الثانية أو القسم الثاني من المجموعة والذي يحتوي على سبع قصص أيضا.. يبدأها بقصة (جرافيتي) مستهلاً بداية القسم الثاني من السباعية القصصية بأيه من سفر التكوين كما بدأ في القسم الأول بمجتزأ من قصة (سور الصين العظيم) لكافكا.

في قصة (تاكسي أبيض) والتي تحمل المجموعة كلها اسمها يرصد الكاتب ما آلت إليه الحياة في مجتمع خائف ..( تاكسي أبيض.. وواقع أسود).

حيث السائق الذي أجبرته لقمة العيش أن يشتري بمكافأة نهاية الخدمة تاكسي أبيض ليعمل عليه لتحسين دخله وسط هذا الكم العبثي من غلو المعيشة ورجل عائد في ساعة متأخرة .. وامرأة منقبة أجبرها الخوف من تهديد زوجها المتشدد دينياً إلى العودة في هذا التوقيت المتأخر.. الثلاثة خائفون.. الثلاثة متربصون.. كل منهم خائف من الآخر.. ويستمر التاكسي الأبيض في السير مسرعاً بينما الأفكار السوداء والتربص والقلق يدور في عقول من يحملهم.. كحال الدولة ذاتها الذي يشبه حالة التاكسي الأبيض.. فالجميع خائف من الجميع.. والكل يتربص بالكل.. والتوتر والخوف والقلق هو سيد المرحلة.

يعود شريف عبد المجيد مرة أخرى إلى عوالمه الكافكاوية العبثية في قصة (السفاح).. لنخرج منها بسؤال:

هل السفاح حقيقة واقعية أم أنها اصطناع نظامي؟!

أم أن النظام نفسه هو السفاح؟!

إذ ربما.. وهو الأرجح أن السفاح الحقيقي في القصة هو المجتمع والواقع المعيشي الذي نحياه.. من تجنوا على السفاح وألصقوا فيه كل ذنوبهم بدأ من الراقصة المومس إلى الضابط الى كل اللائي حملن والصقن التهمة بالسفاح..!!

ويبقى السؤال.. من السفاح في القصة؟!

يستر شريف عبد المجيد في سحبه للقارئ عبر نفق عبثي كافكاوي مؤلم وساخر.. ففي قصة (جرافيتي) يؤرخ للثورة التي لا زالت تصارع قوي الظلام وقوي القمع.. والصراع لا زال مستمراً .. والجرافيتي لا زال موجودا لن يجف… ثم قصة (الشقة) لصاحبتها التي عاشت لتحقيق هذا الحلم وهو امتلاك شقة رغم الإخفاقات المتتالية في حياتها الزوجية والعملية والقلبية.. جالسة مع رجل متزوج لاجترار أحزانهما وخيباتهما وفشلهما في الاقتراب وهما على يقين كما ذكر البطل:

“هو فيه حد في الدنيا مرتاح؟! الناس كلها تعبانة.!

في قصة (صاحب الساق) يعود بنا القاص شريف عبد المجيد إلى عالم المتاهة تارة أخرى.. حيث السوداوية والعبث في البحث عن ساق وجدت في القمامة وعبثية البحث ليصل بنا إلى قصة (كونكور فايف) لعبثية إصابة طفلة بالضغط .. وكأنه يخبرنا انه لا احد سينجو من الطوفان حتى لو كان طفلاً.. وتداعيات الثورة التي لم تفارق أغلب قصص المجموعة إلى أن ينهيها بقصة (ستوديو طولون) ليلتقط لنا بكاميرا كوداك حياة المصريين وعبثية المشهد الحالي في رقة وتكثيف لا يفارقه الألم والعبثية ليخبرنا بكاتب بطريقة مختلفة وعوالم شديدة التعقيد.. رغم بساطة شخوصها وعوالمها.!

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى