وشوشة

محروس أحمد يكتب: دماء أبوللو .. حكاية هزيمة أمة

 

كتب: محروس أحمد

 

 

محروس أحمد
محروس أحمد

هي ملحمة من ثلاثة أقسام تمتزج فيها أدخنة “الواقعية السحرية” البورسعيدية للمدينة بعد النكسة بالروائح الذكية للخيال الجامح المُحلق فوق جبل الأوليمب وعالم الآلهة اليونانيين القدامى ، (بورسعيد قبل وبعد نكسة 67 ،مصر قبل وبعد النكسة، بل الإنسان قبل وبعد الهزيمة) هو العالم الذي أبحر فيه الروائي “زين عبد الهادي” من خلال منظور الطفل الذي عايش احتضار المدينة : “ألاحظ الكابينات الخشبية في الخلف تعبث في أبوابها رياح البحر ،تتبرز فيها الكلاب، وتأكل حاشيتها الفئران،وتمرح فيها الحشرات، كأن العالم يستبدل كائناته بكائنات أكثر وضاعة ،وربما يكون الأمر هو العكس ،بكائنات أكثر رحمة،كأنما تعود هذه الكائنات لمواضعها الحقيقية ،كان كل شيء ملتبساً علي فهمي الشارد”.

في القسم الأول” عصر الجنيات” يمهد الكاتب لمسرح أحداثه جيداً ، يجيد وصف الطبيعة البورسعيدية من البشر وعاداتهم وحتى اللهجة ، المصطلحات شديدة الخصوصية بهم ذكرها مع وضع تفسيرات لمعانيها  ، مثل أسماء الشوارع وأنواع الأسماك والحلوى والملابس ، وتبدأ الأحداث وتبدأ علاقة الطفل بطل الرواية ب”أبوللو” وباقي الشخصيات.

“اختيار هرقل ” وهو القسم الثاني وفيه ينتقل “عبد الهادي” بمهارة لتكنيك آخر في الكتابة ، يشعر القاريء أنه يقرأ ثلاث روايات مختلفة في نفس الوقت ، نقلات سريعة بأسلوب “القطع المتوازي” لفصول متفاوتة في الطول والقصر، لتتشعب شجرة الأحداث إلى ثلاث روايات متصلة منفصلة بين الخير والشر،بين الصواب والخطأ ، بين الخيارات المصيرية للطفل الصغير متفتّح العقل كثير التساؤلات ،التي لا تتحملها سوى جدته سمراء البشرة مثله مع أن باقي العائلة بيضاء!! .

لا يرضي أبداً بأنصاف الحلول ، يصاحب الجنيّات الصغيرات اللاتي تظهرن له على صفحة البحر الأبيض ،يثق ثقة عمياء ب”أبوللو” الذي يظهر له في السماء راكباً عربته الذهبية التي تجرها الأحصنة ،ثقة كتلك التي كان الشعب يضعها في جمال عبد الناصر قبل النكسة،وبعدها أيضاً !

“كنت أعتقد أن هناك فرقاً كبيراً بين الله وبين أبوللو ،فالله هو الذي نعبده ونذهب إلى الجامع ونصلي له ونصوم ونقول التشهّد ،أما أبوللو فكان إلها من نوع خاص ،إله خاص بي ،إله انبثق من خيالاتي ،وأكدته كثير من الأحداث،لماذا لم أكن أدعو الله الخاص بنا؟”.

تدور الأحداث على خلفية من الإحباط التام والظلام الدامس المسيطر على الأجواء بعد تحقق الهزيمة “الحل الوحيد المثالي كان في رأيي أن نفقد الذاكرة ،نفقدها تماماً ،أن نكون كقطعة خشب تسبح على وجه الماء ،لا تدري من أين أتت ولا إلي أين تذهب ،أن نفقد عقولنا ، فقد أصبح الانكسار جزءاً لا ينفصل من ذاكرتنا ،يراوح دائماً في نفس المكان ، من استطاع نسيان جروح الروح والعقل..لا أحد،لا أحد،لا أحد.”

“دماء أبوللو” هو عنوان الفصل الثالث أيضاً حيث إيجاد أسباب الهزيمة بداخلنا ،حيث الشتات والهجرة وترك الوطن ،حيث تختلط المفاهيم ويسيطر العبث وتفوح رائحة العدمية واللامعنى ،حيث هزيمة شعب لم يحارب من الأساس ليفقد حرية بالكاد كان على وشك أن يتذوقها.

“دماء أبوللو” أسطورة ، و”الأسطورة كالماء ..هي كل شيء” كما صدّر الكاتب روايته الصادرة عن دار “ميريت” ، أسطورة تسجل لحظة فارقة في تاريخ شعب ، بل في تاريخ الإنسان عندما يُجبَر متوهماً الاختيار .

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى