التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

نضال ممدوح تكتب: «جرافيت»

 

كتبت: نضال ممدوح

 

 

نضال ممدوح
نضال ممدوح

في روايته الأحدث والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية للنشر والتوزيع أختار الكاتب الروائي ” هشام الخشن” أن يضعها تحت عنوان ٬ والجرافيت مادة تصنع منها أقلام الرصاص التي كانت رفيق رحلة بطلة الرواية “نوال”٬ و ما بين خروجها إلي باريس في بعثة دراسية ضمن ١٢ فتاة أرسلتها الحكومة المصرية عام ١٩٢٨ إلي فرنسا وإنجلترا لإستكمال دراستهن الجامعية، و عبارة جدتها التي طالما رددتها علي مسامعها: “خارجة من غير يشمك يا نوال” حتي إستعادتها لكيانها وإنعتاقها من أغلال قيدتها طوال حياتها حينما خرجت في تظاهرة من ألف وخمسمائة إمرأة علي رأسها ” سيزا قاسم ودرية شفيق” نظمها الإتحاد النسائي في فبراير ١٩٥١ وقفن شارع القصر العيني خارج إجتماع “مجلس النواب” وهن يهتفن “المساواة.. المساوا” مطالبات بحق المرأة المصرية في وجود نائبات تمثلهن في البرلمان . نوال طالبة البكالوريا في مدرسة “الميردي ديو” تلك المدارس التي إنتشرت في مصر أثناء فترة الاستعمار الإنجليزي كانت الكثرة فيها لمدارس الإرساليات الفرنسية التي حاولت أن تستعيد إستعمارها الثقافي في العالم عوضا عن الإحتلال العسكري ٬ نوال المنتمية للطبقة الوسطي الواقعة ما بين الفقراء المهمشين من يتعلمون بالإحسان في تلك المدرسة والمترفين أصحاب الياقات البيضاء والعروق الزرق ٬ تنجح نوال في إجتياز إختبار يؤهلها للسفر لإستكمال دراستها في “باريس” كعبة التنويريين المصريين ” الطهطاوي ٬ طه حسين ٬ توفيق الحكيم” وغيرهم وبتواطؤ بين الوالد ” حامد عارف” وإبنته نوال تسافر رغم عن أنف جدتها وكل ما تمثله من تقاليد مجتمعية ترفض رفضا تاما تعليم المرأة وعملها بل خروجها من منزلها . علي متن السفينة المبحرة إلي فرنسا يبدأ السرد الروائي يظهر التباين بين شخصيتي الرواية ” نوال ودرية شفيق ” درية منطلقة حيوية تخلصت من تابوهات المجتمع المصري المنغلق آملة في أفاق مستقبلية واسعة محملة بالعلم والكفاح من أجل التخلص من القيود التي ترزح تحتها نساء مصر بينما نوال تختلج وتضطرب لمجرد أن يقترب منها أحد المشرفين علي البعثة ” مختار صفوت” ولا تبادله حتي التحية إلا وجسدها يرتعش خجلا وخوفا لأنها تقف مع YBT,,,
رجل ” غريب ” وهو ما يتكرر في فرنسا عندما تتعرف علي صديق فرنسي ” كلود” وقد رسم ” الخشن” مشهد في غاية الروعة حينما كادت ” نوال ” تفقد الوعي وتسقط مغشيا عليها حينما قابلت بالصدفة المشرف علي البعثة أمام السينما التي كانت تهم بدخولها بصحبة ” كلود” . كما استطاع “الخشن ” إبراز شخصية ” درية شفيق المتمردة ورصد بوادر ثورتها علي كل القيم المجتمعية البالية التي تضع المرأة في أسر العادات والتقاليد والقاضية بإعتبارها مجرد” ماعون” وخادمة للرجل فقط ٬ فحينما تشي بهاــ دريةــ زميلتيها في البعثة بأنها تتبادل الأشعار مع شاعر فرنسي فيوبخها رئيس البعثة لكنها تثور عليه وعلي ما يمثله وتستقل بمسكن خاص بها بعيدا عن المسكن الذي وفرته الحكومة المصرية للطالبات ٬ ودائما ما كانت تشعر نوال بالغيرة من درية حينما كان يصفها صديقها كلود :”صديقتك درية روحها ثورية”. تنتهي البعثة بعد أربعة أعوام تعود نوال إلي القاهرة لتتزوج من إبن عمها ” كامل عقب وفاة والدها ٬ وتبدأ رحلة من الشقاء والتعاسة مع هذا الزوج الذي فقد برعونته ثروته وثروة أبيه في المقامرة في البورصة ٬ وتغيره علي فراش ” العاهرات” وسوء معاملة بدءا من رفضه أن تعمل وشعوره بالنقص تجاهها فهي خريجة السربون ٬ مرورا بسبابها وضربها وحرمانها من المتعة الوحيدة التي تمارسها في الحياة وهي الرسم . تماست الرواية بشفافية مع الحاضر الإجتماعي لتلك الفترة وإنتشار الجاليات الأجنبية سواء من الإيطاليين والأرمن ٬ اليونانيين واليهود في النسيج المصري الذي قبلها وذابت فيه فنري الحاج ” عبد العليم الأهواني” يذهب لحفل بلوغ نجل صديقه اليهودي وحينما تنفجر الحارة ويصاب الولد يبكي عليه حسرة ومرارة تصاحبه لنهاية عمره خاصة عندما علم أن إبنه ” حلمي ” كان من حمل المتفجرات الخاصة بالجيش الإنجليزي __ الذي تواطأ مع منظر ومؤسس تنظيم الإخوان حسن البنا من خلال المنحة المالية التي شاركت بها شركة قناة السويس وإدارتها الإنجليزية بمبلغ قدره 500 جنية لتدشين التنظيم _والتي وصلت لأيادي ” جماعة الأخوان المسلمين” وقتل ابن صديقه . رواية “جرافيت” للكاتب ” هشام الخشن” لا نستطيع تصنيفها علي إنها رواية تاريخية فهي وثيقة إجتماعية عن فترة الثلاثينيات حتي مطلع الخمسينيات عن مصر والحراك المجتمعي والسياسي فيها وبداية ظهور جماعة الإخوان وكشف في عبارة مختزلة جاءت علي لسان ” عبد العليم الأهواني ” كيف أن هذة الجماعة صنيعة الإحتلال والمخابرات الإنجليرية :” اذهب يا حلمي لحسن البنا وأسأله لماذا أخذ من البارون دي بنوا خمسمائة جنية وتحت أي بند ؟ إلا طبعا لو رئيس شركة القنال يبتغي وجه الله وينوي أن يصلي معكم كل جمعة !؟

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة