التخطي إلى شريط الأدوات
روايةمشاركات أدبية

ننشر الفصل الأول والثاني من رواية «سهم غراب»

-1 –

 

[درجةٌ خردلية من الأصفر]

أخبرتني إحدى صديقاتي يومًا أن أكثر الألوان لفتًا للأنظار هو اللون الأصفر، قالت لي أنه اللون الأول الذي تميزه العين، ويطغى على باقي الألوان.

لم أتأكد من صحة تلك المعلومة؛ لقد اعتقدته دومًا الأحمر، كما أنني لم أغامر بارتداء الأصفر من قبل يا صديقي سوى مرة واحدة… وإذا أردت التفكير بموضوعية (وبعد العودة إلى مراجعة درجات الأصفر) اكتشفت أن هناك:

الأصفر الخردلي، أصفر فاتح، وأصفر ذهبي، أصفر خوخي، أصفر حافلة المدرسة.. أصفر زعفراني، أصفر قشي، وأصفر قشدي، وأصفر ليموني.. أيضًا هُناك أصفر فانيليّ، أصفر زيتوني، أصفر مشمشي، أصفر نرجسيّ وياسمينيّ!

لم تذكر صديقتي أبدًا أي من تلك الدرجات عليّ ارتداءها كي ألفت الأنظار! رُبما عليّ ارتداء تلك الدرجات الموضوعة بمحلات الطعام لأنها بالطبع الأكثر لفتًا للأنظار.. فهارديز، ماكدونالدز، بيتزا هت.. وغيره وغيره يتكونون من الأصفر والأحمر…

لقد ارتديت الأصفر مرة واحدة فقط بحياتي كما أخبرتك مُنذ قليل  –درجة خردلية منه على وجه التحديد-؛ يوم القيت شخصًا أحببته رغبت بلفت انتباهه، نعم.. ليس كل من أحببتهم رغبت بلفت انتباههم إليّ.. لقد كَنَنْتُ دائمًا الامتنان لروحي الشفافة التي لا تُرى، تلك الروح التي لا تلفت الأنظار.. تجعلني أشعر بوحدة آمنة من كُل شر.. من كُل حُب؛  لكن هذا الشخص رغبت بسرقة نظراته كما لم أرغب بسرقة نظرات شخصًا من قبل. وقتها شعرت أنني أفلحت بفعل هذا عندما وقف جواري يُحدثني بلطف؛ لكن ما هي سوى أسابيع قلية حتى أعلن خطبته!

مثيرة للشفقة.. ألست كذلك؟

قالت لي أمي يومًا أن الرجال لا يحبون المرأة التي تُبدي اهتمامًا بهم؛ الرجال يُغرمون بذلك النوع المتباعد، المُتحدي، ذلك النوع الذي يُشعرهم أن عليهم القتال للحصول على كعكة فوزهم.

قلت لها أنني لا أرغب بأن صبح كعكة فوز أحدهم؛ فسألتني ماذا ترغبين أن تصبحي إذن يا أروى؟

أجبتها دون تفكير: أريد أن أصبح حُورية بحر.

هزأت مني وقتها قائلة أن الحوريات ذبن في الأمواج؛ لأنهن أحببن أمراءً لم يبادلونهن حبًا بحب.. كل منهن ضحت بطريقة أو بأخرى، ولا يوجد مكان للمرأة المُضحية بقلب الرجل.

قالت أمي أنه لا مكان للنُبل، وإذا أردت أن أصبح مالكة قلب أحدهم فالخديعة هي الوسيلة الوحيدة؛ عليّ أن أكون حية.. ثُعبانًا وحرباء أيضًا…

لكنني لم أرغب بكل هذا… وكلما مر الوقت أدركت صدق كلمات أمي رحمها الله.

أدركت أن جميع الحُوريات في قصصهن الحقيقية تحولن لزبد البحر؛ كل منهن لم تحظ بالحب الذي أرادت.. لقد تحولن إلى أشباحًا تُطارد السُفن.. أشباحًا تخطف الرجال، تنتقم من بعضهم، وتتلذذ بأسر البعض الآخر إلى الأبد، أو رُبما لم يتحولن إلى زبد البحر قط، رُبما انتحرن انتحارًا جماعيًّا كالحيتان.. جلسن فوق شاطئ لا تغيب شمسه وتبخرن إلى الأبد.

وها أنا.. آخر الحوريات. أجلس وحيدة أفكر؛ هل عليّ الالتحام بالأمواج؟ أم عليّ البقاء على الشاطئ حتى يجف جسدي، وأموت وحدي؟

سيزعجك حديثي هذا يا صديقي الصغير لو علمته، لهذا قررت الاحتفاظ به بعيدًا عنك، ولم أرسل لك كعادتي سوى رسالة إلكترونية قصيرة أخبرك فيها أنني أفتقدك للغاية.

مُنذ سافرت إلى ماليزيا وأنا أفتقدك.. رُبما لم أكن أكثر افتقادًا لك بحياتي كالآن.

لماذا؟ لأن هُناك العديد من الأشياء حدثت مؤخرًا، أو رُبما لأنني رغبت أخيرًا بالحديث.. وكأنني أرغب بقص كل شيء لم أقصه عليك من قبل.. لمرة واحدة رغبت بإطلاق روحي نحوك.

لأنك الضوء الوحيد الذي أراه الآن…

كل شيء حولي يبدو مُشتتًا ومُبعثرًا وغير منطقيًّا، غيرُ منطقي بشكلٍ يُثير الألم كمقابلتنا الأولى.

هل تذكرها؟…

باليوم السابع من آزار رأيتك.. تقف فوق المسرح تُغني رُغم إصابتك بالزكام.. كنت ترتجف ونسيت بعض الكلمات.

لم أعرف اسمك.. كل ما رأيته وقتها شابًا يافعًا يُغني بإعياء. يُغني ويرتعش فأخذت أصيح، أشجعك وأنا لا أعرف اسمك. كل ما أذكره عينين بلون القهوة، حدقتا إليّ وكأنني المرأة الوحيدة على وجه الأرض. نظرة خاطفة رُبما استمرت إلى الأبد ورُبما لم تستمر؛ وكأنك يا صديقي أردت التماس بعض القوة. وقد رغبت بنقل كل حماسي وثقتي لك.

حدقت إليك، ولم ألتفت عنك بذلك الحفل التنكري… رأيتك ورأيتني.. لكنني بعدما انتهيت يا صديقي انشغلت عنك، انشغلت عن الجميع لأنني رأيته مُجددًا (ذلك الشخص الذي ارتديت الأصفر من أجله). رأيته وعاد كُل شيء يُؤلمني من جديد، لكنني حافظت على ابتسامتي الواسعة التي كادت تفلق وجهي.

ذلك اليوم أوشكت على التفتت، ورُبما صوتك المبحوح ونظرتك الخاطفة حافظت على تماسكي. حافظت على تماسك ابتسامتي.

باليومِ ذاته أرسلت لي صديقة رابط عضويتك على موقع الفيسبوك فقمت بإضافتك.. ولم أتوقع أن تقبل طلب صداقتي لكنك قبلته، بل وأرسلت لي تشكرني لأجل تلك الإضافة!

أثنيت على صوتك وقتها فأثنيت على تنكري، وقلت لي أنك ظللت تنظر نحوي طوال فترة غنائك، وقد صدقك جزء صغير بقلبي، بينما رفض الجزء الأكبر التصديق.

 

-2-

 

[أمنية صدئة جديدة]

 

هُناك بُقعة صفراء بسقف غُرفتي، تلك البُقعة تتخذُ شكل زهرة، زهرة “النرجس البريّ” على وجه التحديد.

كان هُناك فيلمًا ما كرتونيًّا يتحدثُ عَن أميرةٍ حمقاء تريدُ الحصولَ على زهورِ النرجس في الشتاء، أقامت مُسابقة، وقالت أنها ستُعطي وزن سلة من النرجس البري ذهبًا لمن يتمكن من إحضارها.

بالطبع يجب أن يكون هُناك أسرة طماعة، وفتاة يتيمة يُلقى بها وسط الغابة المليئة بالثلوج كي تبحث عن النرجس البريّ، تلك الفتاة قابلت أشهر السنة جميعًا… رجال مُختلفي الأعمار.. كان هُناك “نيسان”؛ شابًا أشقرًا، ناعم الملامح، ساحر النظرات، له صوت لطيف.

أنبت لها نيسان أزهار النرجس البري، وتركها تجمع منها ما تشاء.

كُلما أتى نيسان تذكرت هذا الفتى الجميل، مُتمنية أن أجد (نيساني)… أجد ذلك الشخص القادر على تحريك الفصول حسبما يشاء، يحضر ربيعي متى شاء، أو يجعل أعوامي ربيعًا مستمرًا.

ذلك الفيلم الكرتونيّ “الفصول الأربعة” ما تبقى لي من ذكريات مرحلتي الابتدائيَّة.

أو رُبما هُناك العديد من الذكريات التي أرغب فقط في تجاهلها.. ذكريات عن المدرسة والعائلة…

هل تريد أن تعرف ماذا أرى عندما أتذكر طفولتي؟

أتذكر صراخ أخي الذي يكبرني –بسنة واحدة- بمنتصف الليل مُشيرًا إلى حائط غرفته قائلًا اسم غريب لأحد الشياطين رُبما!

كان حائط أخي يعلوه لوحة قُماشية تحتوي على ثلاثة كلاب يدخنون ويلعبون البليارد!.. تلك اللوحة كانت تخيفني، كما تخيفني لوحة الأحصنة القماشية المُعلقة في حجرة الاستقبال.

اتبعت أمي دائمًا نظامًا صارمًا في تربية أخي حتى المرحلة الثانوية…

عندما كان أخي يقوم بالتبرز في سرواله، كانت تُلطخه ببرازه، وتُمسك بالنمل الفارسيّ الكبير وتجعله يقرصه…

كانت أيضًا تقوم بارتداء “كاسارولة” اللبن فوق رأسها، تُغطي نفسها بملاءة السرير، ثم تركع فوق ركبتيها وتزحف نحوه؛ فيصرح حتى تتقطع أحباله الصوتية.

لم تتفرغ أمي لنا تمام التفرغ؛ بل رُبما لم تكن متفرغة من الأساس!

أمي امرأة عاملة، كادحة.. زوجة صالحة، لكنها لم تجد تربية الأطفال على ما أعتقد، لقد بذلت ما بوسعها؛ لكنني حتى الآن (وبعد موتها) فقط لا أستطيع مُسامحتها.

لم أنج من عقابها، لقد نالني أيضًا.. نالني دومًا…

لكنها لم تستخدم معي تكنيك (النمل والخراء)، لأنني ببساطة لم أكن من النوع الذي يبول بسرواله، كنت هادئة وصامتة، لا أتحدث كثيرًا ولا ألعب كثيرًا، كنت منعزلة للغاية، ووحيدة.. وحيدة للغاية.

اتبعت أمي طريقة الشمع معي، الحرق بالشمع، وقد مزجته بتكنيك غلق الأنوار لتبدو شيطانًا أمامي…

لم أبكِ لحظة موتها، وقفت أراقبها وهي تُشير للوحةِ نفسها التي أشار لها أخي بالماضي، مُتمتمة باسم ما، وهي تبكي ولا تستطيع ابتلاع ريقها.

راقبتها وأنا أفكر بفتح إحدى الكاميرات وتصويرها، (مشهدًا جيدًا) هذا كل ما فكرت به وأمي تحتضر!

لم ينتبني الندم قط على تفكيري هذا، رُغم حُبي الكبير لأمي إلا أنني لم أحزن لموتها.. مزيج من الألم والارتياح احتل صدري.

ولم أشعر بالندم أو الوخز لأجل هذا الارتياح…

هُناك بعض الذكريات الباقيات كذلك؛ لكنني أحاول دفنهن بركن بعيد داخل ذاكرتي.

ذكريات على غرار: إلصاق المُعلمة العلكة بشعري، الصفع، القرص.. ذلك الفتى الأسمر الذي كان يتحرش بأحد العجول الصغيرة واضعة أصابعه بمؤخرة العجل!

أو رُبما ابن جيراننا الذي كان يلكزني بعصاة سميكة بين ساقيّ كُلما صادفني في الطريق.. ولأنني جبانة.. –لا.. أنا جبانة جدًا ولست جبانة فقط!- فلم أكن أخبر أي شخص بما يحدث لي.

لم أخبرهم عن قبلة فاطمة المقززة بالمرحلة الإعدادية، أو عن محاولة جهاد ونهى لمس مؤخرتي في الصف الرابع الابتدائي، ولا عن محاولات أخي للتحرش بي في الصف الثالث الإعدادي.

كل تلك الأشياء التي حدثت لي رُبما تجعل البعض يظن يا صديقي الصغير أنني نضجت قبل سني الحقيقي، لكن هذا لم يحدث؛ لقد بدأ إدراكي بوقتٍ متأخرٍ من حياتي. بدأت العديد من الأشياء بوقتٍ متأخرٍ من حياتي، حتى مرحلة الطبيب النفسي بدأتها متأخرة، كنت أيقن أنني مريضة، جميع من حولي يعرفون ذلك جيدًا، وقد أجاد بعضهم استخدامه ضدي، أو رُبما سمحت لهم باستخدامه ضدي إمعانًا في إيذائي.. لأنني ببساطة أحب أن آذيني!

أنا امرأة لا تُجيد الهروب، مُنذ طفولتي، لم أستطع الهروب من أي شيء، رُبما بمرحلة متأخرة من حياتي بدأت الهروب إلى موقع الـ”تويتر”…

كان لطيفًا وهادئًا، لم يكن مثل صاحبه الـ”فيسبوك”… مُزعج وممتلئ.

لم يكن التويتر وحده سبيلي للهروب المؤقت، كانت المسلسلات أيضًا، بكل أنواعها ولغاتها وأشكالها، مصريَّة كانت أم سوريَّة، إسبانيَّة كانت أم تركيَّة، إنجليزيَّة.. أمريكيَّة.. هنديَّة.. كوريَّة.. يابانيَّة.. صينيَّة.. تيوانيَّة.. كُنتُ أشاهد كل شيء، أشاهد أي شيء لمُجرد أنه يضمن لي ذلك الهروب.. “الهروب المُؤقت”.

شعرت وقتها أنني سيندريلا، لا.. لست سيندريلا، رُبما أنا “عبير عبد الرحمن” بأحد أعداد أحمد خالد توفيق الفانتازيَّة.

لست عبير أيضًا؛ كلتاهما أتى من أجلهما أميرًا ساحرًا بالنهاية؛ فكان الحبيب والزوج.. أو ببساطة أكبر، يأتي طريق الخلاص متمثلًا في رجل وسيم تحظى به القبيحات والفقيرات كجائزة مُقابل صبرهن!

لكن الدهر ليس جنائنيًّا كما تُصور لنا الحكايات يا صغيري.

لكنني ظللت أنتظر، رُغم أنني أمقت الانتظار.. وكلما تعثرت وفشلت في تخطي عثرتي، كُنتُ أشاهد مُسلسلًا جديدًا وأحشو فمي برقائق البطاطس المقلية، وأكياس الإندومي الرخيصة عوضًا عن البكاء.

في مرحلة الثانويَّة العامة أصبحت الكتب أفيوني، الشيء الذي يجعلني أهرب من الصراخ والإزعاج الصادر من أمي بشكل مستمر بعدما توقفت عن العمل.

الأمر بالبداية كان مُؤقتًا، صراخ وصراخ وصراخ لكن بشكل مؤقت.. “صراخ مُقنن”؛ لكن ببداية المرحلة الثانوية تفرغت أمي للـ “صراخ”، لا لنا (أنا وأخي)!

لم تكن بحاجة للتفرغ على كل حال، لقد ساءت علاقتي بأخي، كما ساءت علاقتي بالجميع.

ساءت علاقتي بأخي ولم تعد قابلة للإصلاح، كنت أسجله بهاتفي تحت لقب: “قاذورات”… أخبرته أنني أشمئز من صلة القرابة تلك، أشمئز أربطة الدم التي بيننا. صفعني أخي وقتها، للمرة الثانية صفعني.

مرتي الأولى كانت بالمرحلة الابتدائية، عندما حاول أحد الأطفال قذفه بالرمال المبللة  فوق أحد شواطئ الإسكندرية.

وقتها قمت بإلقاء الولد بالرمال المبللة وأنا أشتمه: “يحرق ميتين أهلك”.

لم أفهم ما تفوهت به، لكن أخي صفعني بعنف فسقطت أرضًا ودخلت جوفي الرمال المبللة، والقليل من الماء المالح.

هُناك العديد من الأشياء التي لم أستطع فقط الحديث عنها لأي شخص حتى طبيبي النفسيّ! عندما ذهبت إليه وأنا في عامي الرابع والعشرين! ذهبت إليه لأطلب المساعدة…

لم يكن مُحبًا للاستماع على كل حال، أهداني كتابًا عن مرضي، قرأته ووعيت ما أنا موشكة عليه.. نعم.. كان الانتحار جزءًا صغيرًا منه!.. لكن “إيذاء الآخرين” كان له نصيب الأسد!

أوشك على ارتكاب العديد من الحماقات، رُبما “القتلُ” أولها!

القتل بحد ذاته يا صديقي الصغير رُبما لا يتطلب تلك الجسارة التي يتطلبها الانتحار.

بذلك الوقت مررت بأكثر أزماتي العاطفية حدة، رغبت بالتلاشي، التفكك والتبعثر.. أردت أن أُشَرَّد إلى الأبد، عندها فقط أتتني رسالتك الثانية، بالسابع من نيسان بعد مرور شهر كامل لم نتحدث خلاله. وعادت مع نيسان ذكرى الشاب الأشقر، وبدأ وجودك يرتبط –دون إرادتي- بالربيع!

وجدت الكلمات تنساب من فاهي؛ وكأنني بحاجة إلى التواصل مع شخصٍ ما؛ هذا لا يعكس طبيعتي.. فأنا أستطيع التزام الصمت لأقصى مدى، كذلك لست من ذلك النوع الذي يشعر بالوحدة أو بافتقاد التواصل مع الناس بسرعة، رُبما بهذا الوقت أردت التواصل مع شخص لا يعرفني كثيرًا.

لقد تحدثت معك كثيرًا تحدثت معك لعدة أيام دون انقطاع، لم أحدثك بها عن نفسي، ولم تحدثني عن نفسك بدورك…

عن ماذا تحدثنا وقتها؟ الموسيقا؟ الرسم؟ الكتب؟ الأغاني؟ الطب النفسي؟ لقد تحدثنا عن العديد من الأشياء ولكنك فجأة قمت بإغلاق عضويتك! اختفيت! ثم بعدة أيام.. عدت من جديد!

ولقد انتابني القلق بتلك الفترة، وقتها سألتك: أأنت بخير؟ لماذا أغلقتها؟

أخبرتني بهدوء أنك كنت متعلقًا بفتاة، لكنكما لم تعودا صديقين بعد الآن، سألتك إن كنت صاحب قرار الابتعاد؛ فأخبرتني بـ”لا” وقد توقعت الـ”لا” تلك.

[تظاهر أن كل شيء بخير، تظاهر حتى يصبح التظاهر حقيقة… مرحبًا بعودتك على كل حال].

[شكرًا لكِ].

لم ترغب بالحديث، ولم أرغب بأن أكون شخصًا لحوحًا بدوري.. لكنني عدت أرسل لك بإصرارٍ عجيب:

[هُناك شيئان أجيدهما بجدارة: الاستماع الجيد، وحفظ الأسرار].

فأخبرتني ببساطة أنك تريد التظاهر وكأن شيئًا لم يكن، وشكرتني لاهتمامي…

[فقط لا تأخذ جانبًا بعيدًا كي لا تقلق من يهتم بك…]

هكذا أرسلت رسالتي دون إرادة، كنت أرغب بأن أخبرك باهتمامي هذا.. أنا أهتم بك وأريدك أن تهتم بي يا صديقي الصغير.

[لا تجلس وحدك، كن مشغولًا لأقصى مدى، وكن واثقًا أنه لا أحد يستطيع تخطي تلك الأمور وحده مهما بلغت قوته].

[شكرًا لنصائحك]…

[لا عليك، لدي دُكتُوراهات في التخطيّ].

[كم عمرك إذن؟!]…

ابتسمت لسؤالك، يبدو أن إخباري لك بأن لدي دكتوراهات في التخطي أعطاك انطباعًا بأنني كبيرة بالسن، أخبرتك أنك بأنني تخطيت حاجز الأربعة وعشرين سنة منذ شهرين، كلما حدثني أحدهم عن العُمر يا صديقي الصغير أجدني أفترش بخيالي صفحة بيضاء أخط فوقها خط طويل ضيق مُتقطع؛ وكأن قلمي نفذ حبره أو كاد!

لا أحب الحديث عن الأعمار، لا أحب تذكر ميلادي، تذكر الأعياد، كل تلك الأشياء تعيد لي ذكريات سيئة، توالي الأعياد يعيد لي العديد من الذكريات السيئة… على غرار “لقد كنا بالعيد الماضي معًا، لماذا افترقنا”!

لقد سألتك عن عُمرك بدوري… لماذا سألتك عن عمرك؟!.. لم أسأل أحدهم عن عمره قط!.. الجميع يسألني، أو يخبرني بأنني (أبدو أصغر دائمًا).

كنت تصغرني بخمس سنوات.. لكنني بالنسبةِ إليك شعرت وكأنني أسبقك بملايين السنين، وكأنني تخطيت حاجز المليون سنة.. كنتُ مثقلة بعُمري.

[السن مُجرد رقم] هكذا أجبتني،  وقد استقر قلبٌ جوار جملتك تلك.

أنا لست معتادة على إرسال القلوب لأصدقائي الذكور، لكن معك بدأت شيئًا فشيئًا أرسل بعض القلوب على سبيل التشجيع.

لقد شعرت بالمرارة عندما استقر ذلك القلب أمامي فوق الشاشة لمرته الأولى وانتابتني رغبة عارمة في البُكاء.

“لم يرسل لي أحدهم شيئًا لطيفًا مُنذ فترة طويلة”!

“رُبما لأنكِ تفتقرين للطفِ يا أروى”!

هكذا أجابتني نفسي لتُشعرني كم أنا مثيرة للشفقة مرة أخرى وقد رجوت أن تكون مرتي الأخيرة.. لكنها لم تكن سوى أمنية أخرى تنضم لقائمة أمنيات صدئة لم تُحقق.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى