مقالات

ياسين أحمد سعيد يكتب: السفر عبر الزمن

كتب: ياسين أحمد سعيد

 

 

ياسين أحمد سعيد
ياسين أحمد سعيد

تأخر الطفل في الكلام لدرجة أقلقت والديه، فاستشارا طبيبًا في هذه المشكلة.

كبر الصبى وارتدى زي المدرسة، أثار سخط معلميه بسبب طريقته اللامبالية وكراهيته للتعلم القائم على الحفظ والتلقين،قال له أحد المدرسين صراحة:

– لن تصل إلى شيء يا أينشتاين.

وفى عام 1921م صعد أينشتاين منصة الكريم في السويد، ليصافح اللجنة التي قلدته جائزة نوبل في الفيزياء.

رحلة طويلة لرجل غير نظرتنا إلى الأبد إلى العلم،والحياة،والزمن.

**********

يقول كارل ساجان:

“بدون أينشتاين ما كان كثير من الشباب الذين صاروا علماء بعد عام 1920م ليسمعوا بوجود علم كمجال عمل”.

**********

قديمًا نادى نيوتن بأن الزمن ثابت في الكون كله، ويستحيل السفر عبره.

وظل هذا البناء العلمي صامدًا لقرون، حتى قوضه العالم الألماني الأصل الأمريكي الجنسية (ألبرت أينشتاين) .

عام الحظ بالنسبة لنيوتن هو عام 1666م،عندما كان يقضي منفى إجباري في الريف بسبب وباء الطاعون الرملي، خلال هذه الـ 365 يوم قفز بمسار العلم ما عجز عنه غيره في عمر كامل!

فأسس علم التفاضل والتكامل، واكتشف قوانين الجاذبية، وفسّر الطبيعة الطيفية أشعة الشمس،مع العلم أنه كان حينها في الرابعة والعشرين من عمره.

لم يتكرر عام من المعجزات بهذا الشكل.

تصور الجميع أن هذا شبه مستحيل، لكنه حدث عام 1905م مع أينشتاين.

يقول العالم ميشيو كاكو:

(كان الوقت مناسبًا لثورة،وكانت مائتان وخمسون عامًا من الفيزياء النيوتنية على وشك السقوط، معلنة مطلقًا ولادة لفيزياء جديدة).

عمل أينشتاين تلك الفترة في مكتب لتسجيل براءات الاختراعات،ومن حصيلة أوقات فراغه أثناء العمل كان يخرج أوراق من درجه، ويخط عليها سريعًا ثم يعيدها مرة آخرى إذا ظهر أحدهم.

هذه الأوراق شملت أربع بحوث، هي ما فتحت عيوننا على رؤية جديدة للكون.

الأول والثاني كانا عن الضوء،أما الثالث والرابع فاستطردا في الحديث عن النظرية النسبية الخاصة، وعدّلا مفاهيمنا عن قوى الطبيعة.

يتكرر معنا الرقم 4 ثانية بأن أينشتاين غيّر تصميم رؤيتنا الهندسية للوجود، حيث كان المفهوم السائد أن كل شيء مادي من حولنا يتكون من ثلاثة أبعاد، الطول والعرض والارتفاع، أصرّ أينشتاين على إضافة بُعد رابع هو الزمن، دمج المكونات الأربعة معًا اختلق مصطلح محبب إلى أدباء الخيال العلمي كثيرًا اسمه (الزمكان).

ونفى أينشتاين كون هذا البعد الرابع ثابتًا في كل أنحاء الكون كما ألمح نيوتن،بل شبّه الزمن في نظرياته بأنه كمياه نهر تجري في ثنايا الكون الفسيح(•)، في بعض المناطق تكون سريعة، وفي بعضها الآخر أبطأ.

وبصفة عامة، يبطء الزمن بأي جسم كلما زادت سرعته.

وبالتالي، هل تعلم أن هناك من سافر عبر الزمن بالفعل؟

كل رواد الفضاء الذين نعرفهم فعلوها،فمع انطلاقهم بسرعة 18 ألف ميل تتثاقل حركة عقارب الساعة لديهم عما هي عليه على الأرض، مما يعني أن جولة كهذه تجعلهم يرحلون لأجزاء من الثانية إلى المستقبل، يقول ميشيو كاكو: إن صاحب الرقم العالمي للسفر إلى المستقبل يحمله حاليًا رائد الفضاء الروسي سيرجي أدفيدف الذى دار حول الأرض لمدة 748 يومًا، وبالتالي رحل 0.02 ثانية إلى المستقبل!

بسّط أينشتاين المسألة بأن منحنا المثال الأشهر المسمى بـ (مفارقة التواءم)، تنادي المفارقة أنه إذا افترق توأمان، وسافر أحدهما في جولة إلى الفضاء بسرعة تقارب سرعة الضوء، فاستغرق خمس سنوات ما بين ذهاب وعودة بحسب توقيت ساعته،المفاجأة التي ستنتظره أنه سيجد توأمه قد تقدّم في العمر خمسين عامًا!

*******

نقلّب صفحات تحدي الزمن، لنقفْ عند صفحة خاصة عزيزة إلى قلبي.

فيزيائي فوق العادة، أعتبره شخصية مُلهمة من الطراز الأول.

ذات مرة مررت على كشك الجرائد، فرأيت صورته التي لا أُخطئُها قط على غلاف مجلة العربي العلمي، إنه بمقعده المتحرك، ونظارته الطبية، وتصفيفة شعره الأشقر إلى الجانب.

اشتريت العدد خصيصًا لوجوده على الغلاف، إنه ستيفن هوكينج الذى كان في يوم من الأيام طالبًا ذكياً مليئًا بالعنفوان، نال منحة في جامعة أكسفورد العريقة، وأمضى بعدها ثلاث سنوات من عدم الرضا، إذ لم يجد في الدراسة الجامعة ما يغذي طموحه وحيويته المتدفقة.

نفس ما عاناه أستاذه أينشتاين من قبله، وهو ما يبدو وكأنها صفة أصيلة في جينات كل الاستثنائيين.

أصيب هوكينج فجأة بمرض نادر هو (التصلب الوحشي الضموري)، يفترس هذا الداء قدرة المرء على تحريك عضلاته تدريجيًا، مجرد معرفة أي منا بهذا الخبر، كفيل بأن يشله الفزع لا المرض.

تغلب هوكينج على الصدمة الأولى، واستجمع إصراره أن يحسن استغلال أيامه الباقية، فبدأ يسابق الزمن في حل أكثر مسائل الكون تعقيدًا،أعانه على ذلك حب فتاة وقفت بجواره، فتزوجا، وأنجبا، ثم جاء الانفصال، وهو نفس المصير الذي آل إليه زواجه الثاني.

خلت حياة هوكينج من نون النسوة التي كانت تقف إلى جواره، ولم يتبقَ له رفيق مخلص بجواره سوى الفيزياء فحسب.

الآن يعيش هوكينج أسير الكرسي المتحرك، عاجزًا عن تحريك أي جزء من جسمه، باستثناء عينيه.

فصمموا له خصيصًا حاسوب مخلِّق للكلمات، يترجم هذه الحركة إلى صوت منطوق.

ومع ذلك، لا يزال قادرًا على تغيير مسار العلم، وإلقاء المحاضرات، والدخول في سجالات.

إنتاجه عبر حركة عينيه أكثر غزارة وإبداعًا من علماء في وافر صحتهم وتحكمهم بأجسادهم.

يقول صاحب العبقرية الخالدة، متعاملًا مع وضعه ببساطة:

– “كنت محظوظًا إذ اخترت الفيزياء النظرية، لأنها كلها تدور في الذهن، وهكذا فإن عجزي لم يكن فيه معوق خطير”.

انطلق هوكينج برحلة من مقعده المتحرك،ليصل به إلى منصب ومقعد لوكاس للرياضيات في جامعة كامبريدج، نفس الكرسي الذى جلس عليه نيوتن يومًا.

وفي عام 1974م حل أحد ألغاز الثقوب السوداء، وبرهن أنها ليست سوداء بشكل مطلق، بل تبث إشعاع يطلق عليه حاليًا (إشعاع هوكينج).

كما أنها بوابات مضمونة للسفر عبر الزمان والمكان، لولا أنه يعيبها مشكلة بسيطة، فعند أول ثانية من مرورك ستسحقك جاذبيتها الرهيبة!

إن فكرة استخدام الثقوب السوداء في السفر تعتمد على أن الزمان/المكان يشبه قوس مرن له بداية ونهاية، يمكن ثني هذا القوس ليقترب بدايته من نهاية في ظروف خاصة، ويمكن القفز بينهما مباشرة دون الحاجة لقطع المسافة الطبيعية، في ظروف خاصة من الممكن عندما يحدث انحناء شديد للزمكان أن يحدث اتصال بين نقطتين متباعدتين في الزمكان.

ما رأيك لو قلت لك أنك أنت شخصيًا ترى بعينيك كل ليلة لمحة من الزمن الماضى السحيق؟

نعم، في كل مرة ترفع عينيك إلى السماء تبصر النجوم،أو للدقة ضوء النجوم،لأن الضوء يخرج من النجم،ويسافر لسنوات ضوئية شاسعة حتى يطرق أبواب عيوننا؛ أي أننا نرى الماضي الذى كان عليه النجوم منذ أزمنة سحيقة، ومن الوارد أنها الآن قد انفجرت، أو تلاشت.

وهكذا قدّم الفيزياء عدة حلول للسفر عبر الزمن:

– كلما أسرعت أكثر، قفزت إلى المستقبل أكثر.. كما ذهب إلى ذلك أينشتاين.

-استقل أول نفق دودي أو ثقب أسود يُقوّس حاجزي الزمان والمكان،لكن تحمّل النتائج على مسوليتك،أو كما يقول الفيزيائي المرح ريتشارد جوت: “لا أعتقد أن هناك أي شك في إمكانية سفر الإنسان عبر الزمن رجوعًا عبر ثقب أسود، السؤال هو: هل يستطيع الخروج منه ليتفاخر بذلك؟!”.

 المراجع:

– موجز تاريخ الزمان……………ستيفن هوكينج.

– فيزياء المستحيل………………….ميشيو كاكو.

– رومانسية العلم………………….كارل ساجان.

– ومواقع إلكترونية آخرى.

 

للمزيد، يمكنكم زيارة وتحميل الومضات الكاملة من مجلة (ومضات)، دورية شهرية متخصصة فى الخيال العلمى والرعب، تصدر عن مبادرة (لأبعد مدى):

http://yassensaid.blogspot.com/2014/09/blog-post_7.html

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى