التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

حسن حافظ يكتب: انطباعات غير نقدية على «فئران أمي حصة»

كتب:حسن حافظ

 

 

 

حسن حافظ
حسن حافظ

كيف تحكم على رواية بأنها جيدة؟ تترك فيك أثرًا؟ هل هناك أكثر من أن تتجه إلى الورقة والقلم تكتب عنها فور الانتهاء من قراءتها، ربما تكون رواية “فئران أمي حصة” لسعود السنعوسي، من الروايات الكاشفة عن واقع العرب المهترئ.

الكاتب عندما يدق الأجراس مبكرًا، يتقمّص شخصية “كاسندرا” ابنة بريام ملك طروادة، لديها القدرة على رؤية المستقبل، لكن للأسف لا أحد يصدقها، أو زرقاء اليمامة ترى الخطر القادم بلا تمهل، لكن أهلها كذبوها، ربما تكمن هنا إحدى جوانب متعة الكتابة وبعض أسرارها، أن تملك القدرة على البوح وسط تعامي الجميع.

يقدم السنعوسي رواية متماسكة البنيان، عبر الانتقال من يوتوبيا الأطفال إلى ديستوبيا الكبار، كأنه كتب علينا أن نحيا في النعيم صغارًا لنتردى في قعر جهنم كبارًا، يرصد بعين ناقدة نافذة تفسخ المجتمع الكويتي -كمرآة للمجتمعات العربية كلها- عبر روايتين أو خطين أولهما رواية “إرث النار” التي يكتبها الراوي -الذي لا نعرف اسمه- وينتهي منها في عام 2017، راصدًا كيف كانت يوتوبيا نهاية الثمانينات تُصدر صورة لمجتمع التعددية واحتواء الآخر، ثم تلقى هذا البناء الزجّاجي -الذي يكتشف الجميع هشاشته- ضربة قاسية بالغزو العراقي، لتنهار التعددية، وتبدأ كرة اللهب في التهام كل ما يقف في وجهها، تنفجر في النهاية في مجتمع أكلت دعائم بنيانه الطائفية والمذهبية.


تبدو “إرث النار” مقدمة منطقية للحصاد المر الذي يقدمه الخط الثاني من رواية “فئران أمي حصة”، يقدم السنعوسي صورة حية لعدة ساعات في أحد أيام سنة 2020، عندما انهار كل شيئ، تغيرت أسماء الشوارع وفقًا لمتطلبات الصراع، تبدو الكويت مدن أشباح لا يسكنها إلا آكلي الجيف، بعدما فتك الأخ بأخيه، لم ينج أبطال الرواية من المصير الأسود، وكأن قابيل يقتل هابيل كل يوم، وكأن لا فكّاك من المذهبية التي تخنق العقل العربي وتشلّه.


غلاف الروايةهل هناك جريمة أكبر من كراهية الإنسان لأخيه؟ ترصد الرواية كيف فشلنا جميعًا في أن نمارس فعل الحياة، أن نعيش بلا كراهية، فشلنُا دفعنا دفعًا لاستعارة خلافات ميتة، وإحياء شواهد قبور تتصارع بدلا عنا، وعندما يصير القتل على الهوية، لا يبقى ما يجمعنا، تلاشى معنى الوطن لتحل محله طائفيات ومذهبيات تضيق بأصحابها، سؤال المستقبل طمسه استدعاء معارك القرون الخالية، تتحول الحياة إلى مطلب عزيز المنال، ليس عبثًا تكرار أبطال الرواية ذلك المطلب البسيط “نبي نعيش”، فحياتنا تمضي ولا نعرف كيف نعيش!

هي رواية سقوط الإنسان أمام أكبر أعدائه؛ أوهامه، لا يعرف فضيلة التواضع أمام حقيقة أنه على خطأ دومًا، تخلص الرواية إلى أن الإرث الثقيل المقيت الذي نحمله على كاهلنا يقتلنا ببطء، نحن أبناء عباس وصالح لا أمي حصة وبيبي زينب، غيبهما الموت قبل أن تريا كيف سقطت الكويت وسقطنا جميعًا في ميراث النار.

يبدو أنه في غفلة من الجميع دخلت الكثير من الفئران إلى بيوتنا وتسللت إلى تحت الأسرّة تنتظر لحظتها، يظل السؤال المعلق في سماء اللا جواب كيف “كنا فئران تجارب في معمل كبير يديره من؟”، فالفئران القادمة “لا تخشى ديوكًا لا تجيد إلا الصياح بين بيض مكسور”، وما أكثر الديوك المنفوشة بفعل الصياح ولا أكثر، في زمن الانتحار الجماعي لشعوب العرب، لا يملك المرء إلا أن يدعو بأن “يجيب الله مطر” على بلدان دخلها الطاعون على ظهور الفئران.

***

تجاوز السنعوسي ساق البامبو بعمل أكثر من رائع، الرواية الجديدة ستأخذ مكانها الطبيعي في سياق تطور الرواية الكويتية، لكن السؤال الشاغل إذا كان السنعوسي حاز البوكر على روايته الأولى، فأيّ جائزة ستحصد رائعته الثانية.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة