التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

بهاء عبد المجيد يكتب: يبدو اننى جئت متأخراً

كتب: بهاء عبد المجيد

 

بهاء عبد المجيد
بهاء عبد المجيد

يعتبر إبراهيم دواود من الأصوات المتميزة فى الشعر المصرى المعاصر و الذى يمثل جمليات جيل يتناغم مع تطور الشعر فى المجتمع و خاصة مما يعرف بذائقة شعر قصيدة النثر و الشعر الحر. و قد صدر للشاعر أكثر من أربعة دواوين و لكنه مؤخرًا قرر أن يقدم مختارات من شعره تبحر فى تجربته الشعرية لمدة عشرين عامًا

فأصدر عن دار ميريت مختارات شعرية بعنوان (يبدو أنني جئت متأخرا) وهي مجموعة من الأشعار التي كتبها الشاعر في الفترة مابين (1985 – 1997). فى هذا الكتاب يتصدره الكاتب بإهداء يقول فيه :سأصدر أحساسا بالامتلاء وبحاجتي إلى الوحدة وأنا أعبر بينكم (مختارات) .

فمنذ البداية أشار الشاعر إلى موضوع المختارات إلا وهى الوحدة ولكن التناقض مابين تصدير الإحساس وبالامتلاء وهو شعور بيولوجي متعلق بإحساس الإنسان بالكفاية من الطعام يصل إلى حد الحالة المرضية ولكن عند الشاعر امتلاء الجسد ليس كل شيء ولكن هناك نوعاً بإحساس أخر يجب أن يغيب  إلا وهو الإحساس بالوحدة .

قصائد هذا الديوان تعبر عن وجدانيات إبراهيم داوود عن الإنسان في هذا العالم المعاش الذي يعانى من الوحدة وعدم الفهم لنفسه وللآخرين وهذه القصائد هى محاوله مستحيلة للفهم والدخول في عالم إبراهيم داوود ولعل القارئ أن يعرف نفسه من خلال هذه القصائد فداوود بمزاميره وقصائده يقصدنا أحيانا أنا وأنت ونحن ومختارات غنائية عن  واقع العالم الان ، ببساطه وهدوء مثل شخصية وروح إبراهيم داوود ومختارات منتقاة من دواوين مختلفة مثل : تفاصيل أخرى ط 2 (1997).

لا أحد هنا (1998).

المختارات فرصه ليتعرف القارئ على تطور الشاعر منذ البدايات حتى وقتنا هذا سواء في الموضوعات أو الأسلوب والتطور واضح وأحيانا ً صارخ ولكن قصائد الفترة الأخيرة يتضح فيها النضج والخبرة سواء فى الصورة الشعرية أو تناوله للموضوعات ولكن تظل المفارقة والاعتماد على القراءة العميقة للنصوص هو ما يجعل من شعر إبراهيم داوود متميزاً وقادراً على فرض وجوده في ساحة الشعر العربي المعاصر .

إبراهيم داوود شاعر يشبة كثيرا شعراء الغرب في أسلوبه الشعرى  أو في نظرته للوجود فهو دائم التوتر وشيئاً ما في شعره يشعرك بأزمة الوجود وصعوبة الحياة و ألم الشاعر هو يشبه الرومانتكين الجدد الذين يتأملون الواقع بنبرة من الرثاء و الألم مثل جون  كيتس  . ولكن تحت هذه القشرة  الالم و الخوف هناك الأمل الذي هو في طبيعته يؤكد الإصرار على الحياة

في قصيدة من كتابه مختارات شعرية يبدو أننى جئت متأخرا

يقول داوود :

بالأمس كنت أمشى شارعنا      لكي أكسوه معنى ما

شارعنا الذي أعطيته قدمي       وأعطانى شعورا ما

وحدد لي مساحة

بيتنا المرهق    أمر ألان عبر بوابته العذراء

محفوفاً بخطر ما !!!         (شارعنا ص 6 )

الخيال هنا جديد وبالرغم انه يومي ومعتاد أحيانا إلا في سياق هذه القصيدة يصدمنا بوحدة و أغتراب الشاعر المتمثل فى الشارع  .

فمثلا امشي شارعنا لكي اكسوه معنى ما . فالشاعر حدد وظيفته هنا بالرغبة في إن يضفى معنى لهذا الشارع وبرغم الألفة التي كانت بينهما يوما ما إلا أنه يشعر بالخطر من المرور فيه مرة ثانية . هذا الارتياب دليلاً على أن الثابت لم يعد ثابتاً وجامداً وان ما هو يقيني أصبح لدى الشاعر محفوفاً بالخطر والشكوك.

هذا هو السائد ألان في قراءتنا للشعراء في جميع أنحاء العالم هذا التوتر وهذا المحاولة الجادة لإيجاد معنى بعد إن فشلت الأيدلوجيات في إن تصنع أطار حقيقي يسعد الانسان  فبات الشعر والكتابة هي المحاولة للخروج من أزمة الوجود بخلق عالمي بسيط ربما يشبه عوالم بشر آخرين ربما يحيطون بالشاعر عن قرب وربما بعيدين عنه .

الموضوعات التي تقراها في شعر إبراهيم داوود متشابه أيضا مع الشعراء المصريون من الشاعر حلمي سالم ورفعت سلام  وعماد صالح وفاطمة قنديل  وسيد محمود  وعزمى عبد الوهاب وأحمد يمانى و جيهان عمر و أيمان مرسال وفارس خضر و غيرهم أعنى بهؤلاء فقط الذين يحاولون التجديد في شكل القصيدة بخلط النثر بالشعر أو كتابة القصيدة النثرية ولكن لديهم هم بمحاولة الكتابة بصوره أو بأخرى عن الذات الحقيقية كما يستوعبونها هي وليست كقالب كلاسيكي جامد ولكن الجديد فى شعر إبراهيم داوود انه بسيط ولكن فلسفي في نفس الوقت مثل الرومانسيون الغرب كوليم وردزورث وشيلى بالرغم من انه يتشابه أكثر مع فيليب لاركن وديلن توماس  في محتوى التجربة الإنسانية. قصيدة “فتاة” على سبيل المثال يقول ابراهيم داوود : الفتاة التي تصنع الشاي كل صباح تعانى جحودا

….

الفتاه التي تشرب الشاي كل صباح …. تمارس الجنس  كالغضب

وتدخل في حضرة الماء عصفورة من شغب  (مختارات ص 9)

صورة الفتاه ليست حسية أوروتيكية عند داوود ولكن الفتاة العادية المحبة الغير قادرة على فهم روح الرجل / الشاعر لأنها ببساطة لا تفهم الوجود و  لا تفهم الشاعر إذ صح لنا ان نقول أنهما متشابهان .

يتعاظم وحشة الوجود عند إبراهيم داود   في قصيدة وحشة يتساءل الشاعر وماذا بعد ؟؟؟

اخر الأصدقاء مضى أول الليل ولا شيء يشبهه .

الحبيبه نائمة – وحدها – في مكان هاتفها لاشك شخصاً ومرت امامها الوصايا .

إما الوحديون _ بعض_ عبروا بغير كلام ………. مختارات (ص18)

لماذا وقع اختيار داوود على بعض القصائد بذاتها ليتضمنها داخل وريقات هذه المختارات عن غيرها وما هو حكمه القيمى عنها ؟ أم هي محاولة لتأكيد داود على نظرته الحزينة للعالم الذي يصر على تقديمه الى قارئه .من الممكن أعتبار المختارات فرصة للتعرف أكثر على رحلة الشاعر فى الكتابة الشعرية على مر السنوات و تأكيد أنسانية الشعر و تنوع موضوعات القصيد .

العالم عن إبراهيم داوود تقلص حتى أصبح شرفة وحيدة في شارع طويل وشاعر يركل الحصى ويفتش في دفتر العمر …. عن شخص  يطوف على البحر ويغنى أخر الليل  تحت شرفة بعيدة في شارع أخر  (مختارات ص 42 ).

ولكن هذا العالم المحدود هو الوجود والبحث الذي يعيش من أجله.

فى بعض  هذه القصائد  يتردد صوت  الشاعر كفافيس  واضحا في قصيدة

شتاء

الإسكندرية بحروف من نور

لم يكن غير واحد ينظف المقهى

وبعض السيارة فى الخارج

وأمطار تقشر البناية المجاورة (البناية المملؤة بأسرة ودفء)

وكانت الجرائد  _ التي قرأتها بضيق مظلتى

وانا أعبر الشارع في اتجاه البحر

وكنت واثقاً ان النادل العجوز

خلف ضبب الزجاج يتابعني ويتذكر شيئاً ………. (مختارات ص 46-47).

من القصائد التى تعبر عن اتجاه الشاعر نحو السلطة ليست بمفهومه السياسي المعقد ولكن السلطة بمفهومها الاجتماعي, السلطة كطبقة اجتماعية . من أهم القصائد التي تتناول إحساس التلميذ الفقير تجاة الناظر الطبقي المتسلط وموقف الأب الفلاح الفقير عن هذه السلطة.

مكتبة كان الى اليسار

وفى المدخل وضع المدرسون له زهوراً

ونظفت الحجرة جيداً

وعندما دخل أبى بعد استدعائه من الحقل

هب واقفاً وصاح وهو يشير الى :

ابنك هذا …… كنت اقلب اللحظات .. وأضحك

أجاب إبى .. وماذا تريد ؟؟؟

فى تلك اللحظة دخل اخر وانشغل عنا

.. فنظر إلى أبى وغمز بعينيه وابتسم !!!! مختارات (ص 59)

الإنسان- الشاعر يبدو أنه جاء متأخرا – كعنوان الديوان _فالعالم قد تغير من حوله وإذ وصل مبكراً أ ووصل متأخرا كعادته فلن يستطيع التواصل أو يملء الفراغات في أحاديث الآخرين وكأن العالم قد تشظى إلى جزر منفصلة وان الوجود البشرى قد تشظى ففشل الشاعر فى يجد علاقة فيما يقال من حولة حتى مع الآخرين ….

فى قصيدة بعنوان مكان عام تبدو الاضاءة اعلى قليلا ويبدو اننى جئت متاخراً كلهم فى أماكنهم وربما يواصلون ماتفقوا عليه منذ أمس حيث كنت غائبا كعادتى وفاتنى كل شىء !!!!!! مختارات … (ص 60)

فقصيدة مثل السكن الجديد تعبر عن مدى حاجة المرأة للتواصل الشبقى و تعتبر أسلوبية الشاعر  إبراهيم داوود هى عدم الحاجة لوصف الجسد فالرمز والمسكوت عنه أكثر إباحية من التصريح والكشف” فيقول على لسان “المرأة التى سافر زوجها منذ عامين قالت لجارتها _ وهى تنشر جلباب زوجها _ أريدك جنبي وأحكمت المشبك فوق الذراع وابتسمت لى !!!!!

في اليوم التالي قالت لجارتها _ وهى تنشر جلباب زوجها _: الليلة يكمل فى الغربة عامين وكاد الجلباب أن يبلى !!!!

بالطبع لا تريد الجارة جارتها ربما نعم لو أجزمنا أنها تطلب علاقة مع امرأة  … ولكن من الواضح انها تريد رجل بمعنى الكلمة ….

نوعاً اخر من النساء متكرر دائما فى قصائد داوود هذه المرأة التى تشبة العطور الغالية الثمن التى تنشر رائحتها وعطرها فى كل مكان وعندما تغادر الأمكنة يظل وجودها عالق بمسام كل الأشياء . المرأة غير الموجودة ككيان عضوي وجسدي ولكنها المرأة الاسطورة . يقول داوود “دائما افتقد شيئاً وأتالم عندما أتذكر وأسدد لكمة مباغتة للهواء وأنا فى طريقى إلى هناك لكي أتخلص من أثار أصابعها وعنقها المحبب وعطرها وعطشى الدائم  ………… (مختارات ص 72)

وفي قصيدة اخرى من أرق قصائد المختارات والتى تعبر عن حالة الحنين للصادقين في حيواتنا المزيفة

“أكدت لي أن طيبة

وان بحراَ شدها يوماً وضحك عليها

وانها لا تحب الأطباء وتكره المرض

وتتمنى ان تعيش في شقه مسكونة بالفوضى

وان شعرها أطول مما اري

كنا أول الليل ظللننا سويا لعامين إلى أن تأكدت أخيرا وانأ أودعها

…….. إنها صادقة!!!!!!!.

(امرأة مربكة _ مختارات ص 55)

المرأة هنا تختلف عن نساء نزار قبانى ، فهي إمرأة من أختراع إبراهيم داوود اذن فهي مختلفة.. فالروح تحل محل الجسد ، والتسامى فوق الغرائز يحدث كثيراً .دائما تذهلنا  حساسية الشاعر والتى تدخلك الى عالمه بدون أستأذان وتظل مرتبطاً بهذا الشاعر وتصدقه ويصبح المعبر عن واقعك المعاش ولسان حالك وهذا ماحدث فى القصيدة يحدث كثيراً التى هى خير دليل  على نضج شعر إبراهيم داوود من حيث الأسلوب والخيال وهى القصيدة الطويلة وقبل الأخيرة في المختارات,

يقول ابراهيم داوود على لسان المتحدث : يحدث كثيراً ان تحدث نفسك خائفاً

من الاقتراب منه

الشباك الذى ينبغى أن يغلق

فتزحف على الأرض خمسة أمتار

متذكراً طوال الرحلة مقولة أمك

” راسك اثقل من جسدك ” فتحبو فى المتر الأخير

شابكا رجليك بشىء ثقيل .        مختارات ( ص : 88)

بعد محاولة ان يتشبث الإنسان بشى ثقيل يحرمه من حلوة الانتحار والتأكد من صحة مقولة والدته ان رأسة أثقل من جسده  يفاجئنا الشاعر بمقطع وصورة حياتية ومقولة تملئها المفارقة وتجعلك تضحك حتى الاغماء !!!

يقول داوود :

أن تحب واحدة تخاف الاقتراب منها

تظهر مع رجال لا يحبونك

فتكون حريصاً على ان تكون فجاً معهم

على عكس طبيعتك طبيعتك تماماً .

وربما تسأل من بعيد عنها

وتحرص على ان تلتقيها مصادفة

وتتجاهلها منتظرا فرصة للانفراد بها

عن أصدقاء يحبونك لتقول لها كل شيء …           مختارات ( ص: 91)

قصائد المختارات الشعرية لإبراهيم داوود محاولة لإلقاء الضوء على بعض الموضوعات التي تناولها الشاعر في هذه القصائد و التى تعكس تطور الشاعر و نضجه الفنى و التأكيد على موهبته الشعرية  .

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى