التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

عارٍ فى طريق بارد

 

قصة: أحمد عبد المنعم رمضان 

 

 

كانت أعمدة النور تشعر بالوحدة بالشارع الخاوى عندما خرج ليؤنس وحدتها بفجر يوم ما. خرج بعدما تجرد من ذاته, ترك كل مشاعره بمنزله, أغلق دولابه على أحاسيسه, ترك قلبه وأحشاءه, ترك بطاقته الشخصية, حافظة النقود وتليفونه المحمول, خرج فى فجر بارد والشمس تشق طريقها بين السحب, وامتطى حذاءه المتهتك, بعدما خلع كل ملابسه, عدا حذائه, وخرج إلى العالم كرجل بدائى عار. كانت الشوارع خاوية إلا من بعض الملائكة الواقفين على ناصية الطريق, يتضاحكون قبل أن يعودوا إلى منازلهم. القمر توارى خلف ضوء الشمس الشارعة فى السطوع, صحبت القمر بعض الأحزان الليلية المتناثرة وتبعتها الكوابيس والأحلام.

السيارات تتطاير كبرق خاطف, مثيرة عواصف وموجات من الأتربة, تطيح بكل ما يواجهها من أشباح ومخلوقات ليلية فتتبدد فى الفضاء وتتراكم حتى تصحو بليل آخر جديد, ” ماذا لو صدمتنى إحدى تلك السيارات وراكمتنى فيما تراكم ؟؟ ” إنه لا يحمل أى اثبات لشخصيته, سوى حذائه, حتى روحه تركها مستلقية على سريره, أثارت خيالاته مخاوفه الكامنة, ظل ينتفض كلما دهست إحدى السيارات خياله الملقى على الأسفلت. ظن أن موته دون أن يعلم أحد بحقيقة شخصه أمر مؤلم, وهل يكون للموت قيمة دون أن يعلم أهله, دون أن تبكى أمه, دون أن يذكره زملاؤه, دون أن يتغامزوا ويتلامزوا حتى يختموا كلامهم بالدعاء له بالرحمة, هل للموت أى قيمة دون أن تعلم محبوبته, هى لم تحبه أبدا, ولكنها قد تتأثر, قد تحبه بعد مماته, الموت له مكاسبه أحيانا !!

ولكن كيف له أن يموت دون أن تصحبه روحه؟؟ تحسس جلده البارد وامتدت يده إلى عظامه فخربشها ونقش عليها اسمه, قد تتعرف روحه على عظامه فى عالم آخر.

قطعت سيارة فارهة الطريق بجواره, انتفض, فمال جسد السيارة عليه وتطايرت من شباكها ضحكة رقيعة مصحوبة برحيق أنثوى ساخن التصق بجسده العارى.

مر بجواره رجل عار آخر يعبر الشارع فاردا صدره, مختالا بثقة شديدة, نظر كل منهما إلى الآخر وتعجب كل منهما من عرى الآخر, ثم نظر العابر إلى حذاء الرجل المتهتك, وأدار وجهه باشمئزاز… فصاح الرجل مجيبا على سؤال لم يسأل ” ألبسه كى يعرفونى حين أموت !!”

فالتفت العابر وقال مستهزئا “وما الفائدة ؟؟ما أجمل أن تموت مجهولا”

صاح الرجل ” وأمى ؟؟ وأبى ؟؟ أصدقائى ؟؟ زملائى بالعمل؟؟ الجنازة؟؟ ال… النعى ؟؟ ”

ضحك الآخر مستهزئا دون أن يلتفت إليه مكملا مسيره…

وقف قليلا بينما تنتفض كل نقطة بجسده من أثر البرد القارس, خلع حذاءه, ألقاه بمنتصف الطريق, وبات دون أية هوية, صلب ظهره كفارس, وبدأت السخونة تدب بجسده العارى.

الموت مجهولا ليس سيئا إلى هذا الحد, هكذا فكر, سيدفن بمدافن الصدقة, لن يزوره أحد بالأعياد, إلا المارة والحانوتية والمقرئون, سيأتى المقرئون ليأكلوا عند قبره بآخر الليل ولن يقرأوا أيا من الآيات على روحه, سيعيش الشحاذون حول قبره, سيمارسون الجنس مع زوجاتهم على أطلال جسده, سيستمتع بوحدته ويتخلص من كل ذكرياته وخلافاته العائلية, سيتعرف على رفقة جديدة, كلهم مجهولون, مثله تماما, ليس بينهم غنى أو فقير, الكل سيحكى عن حياته المتخيلة, سيختار قصرا وعملا وعائلة وزوجة, سيتباهى كل منهم بأمجاده, ويفتخر بحياته, سيكون على علم أن الجميع سيفعلون مثله, إنه اتفاق ضمنى بين الجميع, سأصمت عن أكاذيبك وتصمت عن أكاذيبى, وندعى أننا نصدق بعضنا البعض.

سدد بصره إلى الطريق الخاوى, تحسس جسده, شك أنه لن يموت حتى لو دهسته السيارة, لن يموت دون بطاقته الشخصية, دون روحه, الكائن الموجود بالشارع ليس هو, لا يوجد ما يثبت أنه هو. وإن مات, سيعترض, وسيشكك بالأمر, سيطالب بما يثبت أنه هو الميت, فلن يجدوا, الأمر مضمون, وعدالة الآخرة ثابتة.

نظر إلى السماء بطرف عينه, فاسقطت الأمطار وقرر أن يرتمى بأحضان أقرب السيارات إليه, قرر أن الأمر يتطلب بعض الانتقاء, حتى يتقن الحادثة, فهو لا يريد أن ينتهى به الأمر إلى مجرد مصاب, لابد أن يكون ضحية كاملة, ما من شئ أسوأ من أن يكون نصف ضحية.

انتظر سيارة قادمة, مرت أولى وثانية وثالثة, لايبدو أى منهم مناسبا لطلبه, حتى وقعت عينه على سيارة فاخرة طائشة, وبدا له أن سائقها مخمور, أو قرر هو كذلك, سدد نظره إلى السيارة وأيقن أنها اختياره.

اقتربت السيارة, استعد, حاول أن يضبط ملابسه أو أن يرفع ياقة قميصه, فلم يجد شيئا, ابتسم, أخذ نفسا عميقا واقترب من السيارة القادمة, اقترب بخطوات بدت له واثقة, ولكنه بالواقع لم يخطها… ثم تذكر أن اليوم هو الأربعاء, سرح قليلا, أكد لنفسه أن اليوم هو فعلا الأربعاء, اليوم يفترض أن يتمم صفقته التى قضى فى الإعداد لها شهورا ليتكسب منها أكواما من الأموال.. تراجع قليلا إلى الخلف, أو كثيرا, وقرر أنه لا مانع من إرجاء الأمر إلى يوم آخر, يوم بلا صفقات, فالسيارات لن تتوقف عن الاندفاع بالشوارع الخاوية, فلنأجل الأمر لغد أو لبعد غد. وقف فوق الرصيف, أغلق سوستة الجاكت, ضبط حذاءه المتهتك, أخفى فمه وراء الكوفية, مضى نحو منزله, مضى مسرعا نحو منزله وهو ينتفض ويرتعش حيث دب البرد بجسده من جديد.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى