التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

لماذا اقرأ؟ .. لماذا أكتب؟

كتب: أحمد صلاح

 

 

فعلان قد يرتبطان، وارتباطهما غير وثيق عند البعض ، ولكنهما معي متسقان تماما بخطورة قد تقترب في بعض الأحيان إلى حالة تلبس كاملة لما قرأت له، فينعكس ذلك علي أسلوبي في الكتابة وخصوصًا إذا قررت الكتابة عقب إنتهائي من القراءة، ولكن شيطان الإلهام عندما يقف علي كتفيك يجعلك مصرًا علي الإمساك بالقلم والبدء فورًا، في نسج الأكاذيب، والحكايات الملفقة، التي تسعد القراء.

عندما تقرأ تحسس خنجرك، فقد تضطر إلي قتل الكاتب عندما لا يشبع نهمك في ما كتب، واحيلك إلى نظرية رولان بارث فتحدث عن الافتتان بالنص والتلذذ بمفاتنه والإنجذاب إليه بفعل سحره، واعتبر رولان أن القراءة نوع من إعادة كتابة النص ولكن النص القادر علي إحداث تلك الرعشة الجميلة التي تربك القارئ وتخلخل موازينه الثقافية والنفسية واللغوية، من نظرية رولان بارث فأنا أنتظر من الكاتب أن يجعلني أتلذذ والهث وراء الكلمات حتي انتهي من القراءة مع طي آخر صفحة

أما القراءة في نظر ايكو فهي تدخل حثيث يعمل علي تنشيط النص الذي هو ” آله كسولة ” تحتاج إلى قارئ نموذجي يفعل في التوليد والتأويل مثلما فعل الكاتب في البناء والتكوين ويكون قادرا علي المساهمة في تأويل وتحيين النص بالطريقة التي كان يفكر بها الكاتب أي أن فعل القراءة هو نوع من التوحد مع الكاتب الذي قد تفصلك بينه مسافات زمنية ومكانية ولغوية تتوحد فيها معه وتدخل في ثنايا مخه وخبراته السابقة وتقرأ كما كتب وتعرف تأويلاته ومدلولاته.

أما هانس روبير ياووس فهو من الذين دافعوا عن تجاوز النظرة الأحادية في تقويم الأدب وطالبوا بفهم القراءة علي أنها فعل تحاور وجدل بين النص ومتلقيه أو بين النص وعملية التلقي التي يحركها وتحركه، إذ النص بنية تقديرية ولذلك فهو يحتاج إلى دينامية لاحقة تنقله من حالة الإمكان إلى حالة الإنجاز ، ومن حالة الكمون إلى حالة التحقق، بمعني أنه لا يجوز القول بوجود المعني الجاهو أو النهائي في النص وأنما معناه المرتقب ناتج عن فعل القراءة وفعاليتها التي هي عبارة عما سيتولد بين النص وقارئه ، بين البنية الأصلية أوبين خيرات القارئ أو أفق انتظاره.

لو عددنا نظريات فعل القراءة فقد نحتاج إلى مقالات متعددة قد تصلح لتجمع في كتاب كامل، ولكن وبشكل ذاتي أقول أن ارتباطي بالقراءة نتج في البداية عن الاهتمام بموضوعات معينة فكان من الطبيعي أن أشبع نهمي حول هذه الموضوعات بفعل القراءة التي أحاول فيها أن أتوحد مع النص، أو تصل فيها مرحلة التأويل إلى مرحلة فك تعقدات النص وكلماته المتشابكة بما يشبه عملية حل الشفرات، كل ذلك مع اللهاث خلف الصفحات وانتظار ” فعل الدهشة” والاستمتاع.

أما الكتابة، وهي فعل عجيب مرتبط بذاتية مبهرة وتجارب مسبقة من ذلك الذي يمسك بقلم وبعض الأوراق البيضاء ورغبة في الحكي، أو الكذب والتلفيق، أو نسج خيوط العنكبوت حول حادث يغير من معالمه ثم يزيل تلك الخيوط في عملية أشبه ببناء عمارة جديدة.

فالكاتب ما هو إلا داعية ـ كما يقول جورج أوريل ـ لسياساته وأن موضوع الكتابة والصور وحتى الحيل الأسلوبية محكومة في المطلق بالرسالة التي يحاول الكاتب نشرها لهذا يصرح أورويل بقوله ” أكثر ما رغبت في فعله خلال الأعوام العشرة الماضية أن أجعل من الكتابة السياسية فناً، وعندما أجلس لكتابة كتاب أكتبه لأن هناك كذبة ما أريد فضحها، حقيقة ما أريد إلقاء الضوء عليها”. وفي ذلك السياق يقول أورويل إنه لا يوجد كتاب “يخلو من تحيز سياسي. وحتى الرأى القائل بأن الفن لا يربطه شيء بالسياسة هو بحد ذاته موقف سياسي”.

لذلك فعندما تتلبسنا رغبة وشهوة الكتابة ـ بغض النظر عن الطقوس المختلفة بين الكتاب ـ فإن الكاتب يحاول أن يصيغ كذبة ما ، تغري القارئ ، وتصل بالكاتب إلى حالة نشوة مفتعلة وهو يتفاعل مع النص ، فليس غريبا أن يقول صالح مرسي وهو يكتب  روايته التاريخية الشهيرة في ادب الجاسوسية ” كنت جاسوسا في إسرائيل ” انه وقع في حب بطل الرواية حتي أنه كان يبكي حين يمر بطل روايته بظروف دقيقة ألفها.

في النهاية القراءة والكتابة فعلان لا ينفصلان مهما تعددت النظريات ، ومهما اختلف اسلوب الكاتب وطريقة تاويل القارئ.

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى