التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

حامل الرسالة

كتب: محمد عارف

 

أنا اللي بالأمر المحال اغتوى

شفت القمر نطيت لفوق في الهوا

طلته مطلتوش إيه أنا يهمني

وليه.. مدام بالنشوى قلبي ارتوى

عجبي

كانت كلمات صلاح چاهين، باب الدخول إلى حضرة الكلمة، وتلك الرباعية الرائعة أصبحت منهجا للحياة، وترياقا يداوي جروح الإخفاقات.

أدرك معنى مختلفا للكلمة، أحاول أن أتتبع سر الكتابة، أشعر أني أنظر إلى الدنيا بمنظور مختلف، تحتفظ ذاكرتي بالتفاصيل، تعيد عيناي ترتيب المشاهد، لا أتعلم فن الإصغاء، فهو ملكة بُعثتُ بها في سن مبكرة، أشعر أن بيني وبين القلم علاقة مختلفة، تستهويني الأوراق القديمة، والكلمات المهملة في أيدي الناس. حالة من الهوس تتملكني، وأنا أبحث عن ورقة وقلم، لأسجل مشهدًا، مر أمام عيناي، أحتفظ في خزانتي الخاصة بأوراق مفضضة، لعلب سجائر، كتبت عليها أفكارًا لقصص قصيرة. وأوراق بنية، لم أجد سواها؛ لأكتب عليها، وأسابق عادة النسيان، التي كنت أظنها قاتلة، حتى نبهني الأستاذ إبراهيم عبد المجيد، بجملتة الشهيرة “ذاكرة النسيان”. تخليت عن عادتي، وكتبت على آخر صفحة في كتابه (ماوراءالكتابة) نهاية رواية، لم أقترب من بدايتها بعد. أتذكر الآن، وأنا في انتظار ديواني الأول، ومجموعتي القصصية (تجليات صاحب المقام) أيامي الأولى، في قريتي وهذا النداء “جـــــرايــــــــد”. كانت هذه الكلمة، وهذا الصوت، كفيلان برفع الأدرينالين إلى أعلى المستويات. أنتظر هذا النداء على أحر من الجمر، كما يقول التعبير الشائع، وحينما أسمع ندائه المحبب، أهتف في فرح.. “مجدي”.

مجدي، مصدر الثقافة والمعرفة، في قريتي الصغيرة، التي لم تعرف يوما فرشة للجرائد، ولا كشك لبيع الكتب والمجلات. لم تعرف سوى مجدي.

هذا الشاب النحيف، ضعيف البصر والبنيان، الذي يرتدي صيفا وشتاء چاكت حائل اللون، كان قديما لأبيه، أثناء خدمتة العسكرية، ودار دورتة بين الأخوة السبعة، حتي وصل إلى كتفيه. وعلى كتف منهما، تستند حقيبة الجرائد، التي لم تكن يوما سوى كيس من البلاستيك المقوى، صنع خصيصًا لتعبئة الأسمدة الزراعية، التي توزعها الجمعيات الزراعية، على فلاحيها. لا أعرف أية دورة دارها الكيس حتى وصل إلى مجدي، وأصبح حقيبة الثقافة، وحامل الأحلام، استطاع أن يثنيه عند المنتصف، ويجعل من ثنياتة جيب سحري، يخبئ فيه بضاعتة النادره لعشاقها المتميزون، خلافا لجمهور الأهلي والزمالك والمنتخب. كنت وأخي نمثل زبائن مميزين لدى مجدي، نغرق في كيس الجرائد، ونعرف جيبه السحري. ويالها من لحظات عظيمة، حين يقع بين يدي كتاب لمصطفى محمود، أو محمود السعدني، أو يوسف إدريس، أو رواية لنجيب محفوظ، طبعة مكتبة مصر. في تلك اللحظة لا أستطيع محاصرة الأدرينالين، فأنطلق لأغلق على نفسي غرفة السطح، وأغرق بين دفتي الكتاب، وأغوص في عوالمه، حتى أنهيه. تلك القراءة النهمة، علمتني قيمة الكلمة المكتوبة. كنت أخط بعض أبيات من الشعر، وحينها أغلق عليَّ غرفتي، وأدور حول الورق والقلم، أبحث في موجات الراديو، عن موسيقى تشحذ حواسي، وما أعظم الصدف، حين يأتيني صوت فيروز “أعطني الناي وغني.. فالغنى سر الوجود”.

تنساب الكلمات الصعبة إلى الورق، وأراها تتشكل أمامي، قصيدة، وحينما أنتهي، أقفز فرحا، وجنونا، بما كتبت. استطعت أخيرا، كتابة أبيات من الشعر تشبه ما أقرأ.

بعد سنين كثيرة، أصبحت أسكن مدينة كبيرة، على كل ناصية فيها، كشك للجرائد، وفي ميادينها المكتبات الكبيرة، التي تضع في واجهاتها الكثير، والكثير، من الكتب والمجلات. أرتادها جميعا، دون تفريق، لكني، أبدا، لا أصل إلى هذا المستوى من الأدرينالين، الذي كنت أحسه، وأنا أتشمم رائحة كتب مجدي، المختلطة برائحة الأماكن البعيدة.. التي أتت منها.

 

 

شاعر وقاص مصري

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى