مقالات

شنب مُستعار للكُتاب

كتب: عمرو العادلي      

عمرو العادلي
عمرو العادلي

 

 

 

 

 

 

أيام القنوات الثلاثة في التليفزيون كنا نشاهد برامج الأطفال صباح الجمعة فقط، كان القائمون على إدارة مثل هذه البرامج يلبسون الأطفال الصغار ملابس الكبار، يلزقون لهم شوارب لا تبدو مقنعة بأي حال، كانت نظرات العيال زائغة وغير واثقة، وبرغم ذلك كان جزء منهم يصدق بأنهم رجال مكتملو الرجولة.

ما ذكرني بهذا المشهد الكوميدي الردئء هو ما يحدث على الساحة الأدبية بخصوص تقدير بعض الكُتَّاب لأنفسهم، يُطلقون ألقابا بالطبع فخرية، مبالغات سخيفة، أصبح الصمت حيالها أسخف منها، لن أتطرق لتفاصيل ربما يُفهم منها أنني أقصد كاتب بعينه، فذلك لا يعنيني في هذه المقام. ولكن ما يعنيني هو قراءة سير شخصيات مصرية على العكس تماما من ذلك، ناهيك عن أنهم أدباء حقيقيون أوسعوا الدنيا أدبا وضجيجا يتبعه أطنان من الطحين، عبروا عن دواخلهم برقي وإنسانية، ويحضرني هنا مشهدان يعبران عن التواضع والتسامح، واحد ليحيى حقي، والآخر لنجيب محفوظ.

أما عن مشهد يحيى حقي، هذا الرجل متجدد الاكتشاف دائما، فعندما سلم مسودة كتابه “كناسة الدكان” لصديقه سامي فريد لكي يتولى خطوات نشرة، وذلك بسبب أسفار يحيى حقي الكثيرة، طُبع الكتاب، وعندما عاد من السفر أمسك بنسخة الكتاب وضحك، فسأله صديقه الذي تولى نشر الكتاب عن سبب ضحكه، فقال يحيى حقي: “كناسة يا سامي، أنا أكتب كناسة؟ كُنَّاشة يا سامي، كُنَّاشة الدكان. يعني الدفتر الصغير اللي بينكتب فيه يومية الطابونة آخر النهار”

وبعد أن غفر يحيى حقي الخطأ غير المقصود تقبله وأقرَّه بعد أن فكر فيه بعين المتسامح، ولو حدث مثل هذا الموقف اليوم مع كاتب نص لبة، فلك أن تتخيل ماذا يمكن أن يقول: “انت عميت يا سامى، ورحمة أمي لارفع عليك قضية وأطالبك بتعويض، سمعتي ككاتب، كناسة، ليه. هكتب زبالة يا سامي؟ د أنا روائي محصلتش والناس كلهم بيرفعو لي القبعات وبيكتبوا عني ريفيوهات”

وصدر كتاب يحيى حقي في عشرات الطبعات بنفس الاسم. لأنه كان يعرف جيدا أن الدنيا بسيطة.

أما الموقف الثاني لنجيب محفوظ عندما طعنه أحد المغفلين، صبي مراهق حشوا دماغه ببعض هراءات فكرية مشبوهة، فطعن الرجل المُسن الطعنة المشهورة التي كادت أن تودي به، وبينما هو في المستشفى في حالة يرثى لها أرسل كلمة لهذا الشاب، قال: “أبلغوه بأني قد سامحته” فرد الشاب المغيَّب مع المندوب الذي حمل الرسالة: “أبلغوا هذه الكافر بأني لن أسامحه” الفرق بين الردين هو فرق بين من يريد التسامح فعليا ومن لا يعرفه أصلا. فلو رفع شخص مجهول عصاية مصاصة على كاتب لا يزال في مرحلة الثأثأة اللغوية لأقام الدنيا وهيّج الدجاج الراقد على البيض.

أنا لا أريد من أحد أن يتواضع، ولا أريد أيضا أن يتكبر ويتنرجس، ولكن فقط لا ينزلق إلى مفردات بذيئة، تُخرجه في التو من زمرة المبدعين، أحيانا لا يخرج رغم التجاوز، بل يتعمق وجوده وتزيد أعداد مريديه، ولكن هذا لا يدوم طويلا، فسيرة العملاقين جعلتنا نتكلم عنهما سنة 2015  . بعد نصف قرن على الواقعة الأولى وربع قرن على الواقعة الثانية، وسنتكلم عنهما سنة 2050.  فلن يبقى في الأرض إلا ما ينفع الناس.

الشخص المتسامح عنده أسباب لتسامحه، والشخص غير المتسامح أيضا عنده أسباب لعدم تسامحه، فيا ليت كل كاتب محترم ومهذب يتأكد أولا أن فوق شفته شنب أدبي حقيقي قبل أن يملأ الدنيا ضجيجا وينصب نفسه قاضيا يحكم دون أدوات نقد حقيقية، قبل أن يكتشف أن شنبه المزعوم تم لزقه “بِكُلَّة” في برنامج سينما الأطفال.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى