مقالات

مي عادل تكتب: الفردوس الظالم أهلها

كتبت: مي عادل

مي عادل

عالم مواز رمزى يحاكى الفردوس المنشودة، خلقه الكاتب المبدع أحمد القرملاوى و أجاد فى صنع تفاصيله، و هو يسطر حروف تدوينته الأخيرة، روايته الصادرة عن دار المصرية اللبنانية.

تبدأ رمزية الرواية مع النظرة الأولى للغلاف، فنرى الدرج الرخامي المتسع الذي يضيق كلما اتجهنا لأعلى ليتجه إلى المشهد الضبابي الذي يحجب كل ماخلفه، مشهد غامض يزيده العنوان غموضا  يتسق مع الأهداء الموجود فى أولى الصفحات قبل البدء فى الأحداث “إلى الجنة الغارقة فى الضباب و الأوهام”، مما يجذب القارئ ليسرع الى الصفحات باحثا عن التفسير.

و ما إن نخطو داخل الصفحات حتى تأخذنا الفردوس فى جوانبها و دخائلها، الفردوس حلم كل كائن على الأرض، حلم البشرية بالعدالة المطلقة مقابل استقرار البشر و إحساسهم بالرضا، معادلة صعبة، جسدها القرملاوي و نقلها إلينا لتستمر حياتنا فيها حتى بعد الانتهاء من القراءة لا تغادر الفكر بسهولة، أغرق القرملاوي فى وصف أدق التفاصيل بشدة حتى يصل بعالمه إلى القارئ الذي أضحى يراه من خلال الكلمات. استكمالا لجوانب العالم المواز فنجده قد وضع التقويم الخاص بهذا العالم و منح أشخاصه أسماء غاية فى الغرابه لتتوائم مع هذا العالم حتى أنها تصبح عقبة أمام القارئ عند الشروع فى القراءة يضطر معه الى الرجوع الى فهرس الأسماء الذى وضعه مدركا بفطنته الى المشكلة القائمة إلى أن ينصهر القارئ داخل الرواية فيصير أحد أفرادها.

و ما أن نعايش الأحداث حتى نجد أن الفردوس المصورة ليست هى الحلم المنتظر؛ بل أنها قيد للروح تشبه الدنيا فى كل قساوتها و عنصريتها و طبقيتها، تلك الطبقية التي تظهر بشكل بالغ الوضوح فى مشهد الأحتفال بعودة ركب الكاهن ماهيزو، و كيف تم تقسيم مجالس الناس إلى ثلاث مساطب متدرجة حتى لا يجلس النبلاء مع الدوارج، يظهر الأسقاط السياسي المباشر للكهنة و مالهم من فاشية دينية و سلطة شمولية فى الحكم، يستأثرون بها دون غيرهم حتى باتوا يفرقون بين البشر و يمنعوا اختلاط الطبقات و يخرسوا هوى القلوب و يحجبون العلم و المعرفة لدرجة أن يقطع لسان الحق كما حدث مع ماهيزو الكاهن المبجل، تدار الفردوس من المعبد بقاعته المحظور الأقتراب منها من قبل بعض الكهنة فما أشبهها بمجالس الأمراء و الحكام، حتى أن  العنصرية تطال من الكهنة أنفسهم.

الثورة تهب الأمل، هذا ما نصل إليه من خلال ثورة جماعة توهو التي حاولت التمرد على الأوضاع الظالمة، صحيح أنها لم تنجح و لكنها كانت حجر فى سقط فى بئر الصمت فكان له دوي و صدى أزعج من لهم الأمر ليهبو للقضاء عليها قبل ظهورها.

و على عكس ما هو منتظر من ان يسود الحب فى الفردوس نجد أن الحقد يحل محله و يصعب على الحب ان يتواجد حتى بين قلوب المحبين، فيهجر ماهيزو أناهيا لخلاف فى رؤية العقيدة و لا يعود اليها إلا بعد ان يأخذ المرض منه فرصته فى الحياة معها، وأيضا شابي الذي لا يستطيع مقاومة القيود الطبقية المفروضة من كهان المعبد، تلك القيود التي قاومها ابوه من قبل عند زواجه من أمه التي كانت من العوام أيضا مثل تيها، أما شابي فيفضل وضعه الإجتماعي على حبه لتيها التي تضحي من اجله بكل سعادتها و أمل اسرتها فى زواجها، حتى أنها ترفض البقاء فى ذلك الفردوس المزعوم حيث أن الجنة الخلد عندها هى البقاء مع تحب مع الفهم و المعرفة، فلا جدوى للحب بلا فهم، تلك الجنة التي يهبها الله الراعي الداعي لمن يبحث عن الحق و العلم و المعرفة بالحب.

جاء مشهد المحاكمة فى بهاء درامي متميز فهو يعد المشهد الرئيسي فى العمل (محاكمة أحد أعلى كهنة المعبد رتبة بتهمة المعرفة) إلا أنه أفتقد التشويق اليه و الإثارة المصاحبة له، فكان متوقع منتظر. كما جاء مشهد النهاية بالغ الرومانسية محبب الى القلب كأفضل نهاية ممكن أن تكون. فشخصية بنقاء روح تيها و قلبها المحب و عقلها التواق للمعرفة و الفهم لن تتكيف مع مجتمع مظلم كهذا فكان إما أ، تتركه هربا كما حدث أو تنتظر نهاية كنهاية معلمها الكاهن المبجل ماهيزو.

فى إطار أقرب إلى الفانتازيا صاغ القرملاوي عمله الروائي فى شكل أقرب إلى  السيناريو المفصل المنقسم إلى أربعين مشهد، يحمل كل منها رؤية تفصيلية للمشهد تمهد للمشهد التالي له حتى يرى القارئ و يسمع من خلال الكلمات أدق التفاصيل المتمثلة فى الألوان و الإضاءة المصورة التي تجعل القارئ ينخرط داخل العمل كأنه جزء منه.

اجاد القرملاوى فى السرد الذى جاء بشكل متسلسل يقوى البناء االدرامي للرواية و يزيد الحبكة أبهار، فقط عنصرالتشويق هو ما تسرب من قلمه فلم نلمح له وجود فى أي فصل، أجاد أيضا فى الحوار الذى جاء باللغة الفصحى و كان على درجة عالية من الرقي. جاءت اللغة كلاسيكية راقية في المجمل، شعرية فى بعض المواضع، متميزة لدرجة محببة للقلب مخاطبة العقل، ككلمات ترنيمة الألم التي تنفذ من العين الي الوجدان مباشرة.

أخيرًا… التدوينة الأخيرة ليست رواية تقرأ مرة واحدة فقط بل لابد من قرائتها عدة مرات ففي كل مرة سيكتشف القارئ افاق جديدة لم يكن يدركها من قبل، فهى تحتاج الى تأمل الروح مع قراءة العقل.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى