مقالات

أدهم العبودي يكتب: «التدوينة الأخيرة»: لم نعرف الجنّة بعد يا «قرملاوي»!

كتب: أدهم العبودي

adham

الصدفة وحدها هي التي قد تلقي لك –وبين يديك- رواية كرواية “التدوينة الأخيرة”، أقول الصدفة لأنّ هذه النوعية من الروايات لم تعُد رائجة، بمعنى أنّ رواية كهذه تحتاج قارئًا من هؤلاء الذين يبحثون عن الأدب الجّاد، وهم نُدرة تلك الأيّام، إذن ما الذي يجعل رواية “التدوينة الأخيرة” ناجحة لهذا الحّد؟

لغة الرواية سلسة، هذه السلاسة التي تدفعك برفق نحو متن الأحداث، نزولاً وطلوعًا، تمامًا كجدول ماء منساب في هدوء.

تقدمة العمل جاءت بهذا الشكل المسرحي الدّال على دراما الحدث نفسه، كأنّنا في مسرحية عبثية، أجل، بهذه الطريقة: “عايش أحداثها…”. اختيار أسماء الأبطال أنفسهم، أظنّه كان مرهقًا، لسببين؛ أولهما: أنّ الأسماء في حدّ ذاتها مختَلقة، من خيال الكاتب، يعني تطلّبت جهدًا جهيدًا لكي تخرج بهذا الشكل، وهو ما يحيلنا –بالضرورة- للسبب الثاني: وهو أنّ جميع هذه الأسماء كان متناغمًا، لا يُمكنك أن تشعر بنشاز اسم عن اسم، لذا بدت الرواية -في مجملها- أنشودة كُبرى، خاصّة في الطريق التي اتّخذها الكاتب لبناء هذا العالم الغرائبي دون حتّى أن تحسّ بغرائبيته، أو تحسّ بنوع ما من أنوع التغريبة السردية التي يمكن أن تشعر بها مع رواية فانتازية أخرى.

لكن لماذا الجنّة تحديدًا؟

الفردوس الذي يتطلّع إليه البشر كاستقرار أخير لنفوسهم المعذّبة في هذه الحياة؟

ذلك هو ذكاء الكاتب، مهارته في طرح التساؤلات التي تعصف بنفوس أبطاله عن طريق إخضاعهم للعيش في عالم مثالي لابدّ وأن يكون على قدر مثاليته.. فهل كان؟

الصراع يبقى بين البشر، بعيدًا عن حلبة هذا الصراع، البشر لن يغيّرهم مكان، حتّى ولو كان الفردوس، البشر الذين أفسدوا جميع العوالم التي عاشوا فيها، حتّى الفردوس!

تتصاعد أحداث الرواية في حبكة عذبة محكمة البنية، تشريح العلاقات الرابطة بين واحدٍ وآخر، علاقات مكر، وعلاقات عشق، تسير الرواية في منعطفات، وبين كرّ وفرّ، كرّ وفرّ سردي، في لغة رقراقة، تليق تمامًا بوصف الفردوس المقترح داخل الرواية، والذي بدا –حقيقة- وصفًا لا يخرج إلاّ من قلم مبدع يعي تمامًا كيف يحترم قارءه وكيف يقدّم له عملاً لا يخضع بحال لظروف سوق الرواية الذي انحدر في الآونة الأخيرة، والذي غلبت مساوؤه على حسناته، فبات المتلقّي حائرًا، كيف يمكنه أن يعرف الغثّ من السمين؟

رسم الشخصيات داخل الرواية كان موفّقًا، كلّ شخصية لها ظروفها النفسية وطبيعتها العقلية، كلّ شخصية لا تتفّق مع أخرى وإن كانت ثمّة وصلات بينها، تلك الوصلات الحسيّة التي سوف تخرج بها عقب قراءتك للرواية، كلّهم يجتمعون –في النهاية- تحت سطوة هذا العالم الافتراضي، سواء كان أحدهم يسير يمينًا أو شمالاً، وسواء تضاربت الغايات داخل نفوس الأبطال، لكنّها شخصيات معذّبة، ولم تجد الخلاص حتّى في الفردوس!

الرموز داخل الرواية، والإسقاطات، دلّت على قراءة واعية للمجتمع الذي يعيش فيه كاتبها.

يذهب بنا البناء والحبكة ورسم الشخوص وتنطيقها بتلك اللغة السلسة إلى التساؤل: لماذا لم تحصد هذه الرواية جائزة كروايات أخرى أدنى منها كثيرًا في المستوى؟

لماذا لم يقرأ النقّاد –المتحذلقون- رواية مثل “التدوينة الأخيرة” بدلاً من الثرثرة ليل نهار عن تردّي مستوى الكتابات الشابّة؟

“أحمد القرملاوي”، لا أريد حرق أحداث تلك الرواية البديعة، لكن؛ كان عليك أن تتوخّى الحذر –أحيانًا- وأنت تبني الأحداث، لأنّ بعضها جاء مترهّلاً ممّا أخّر الإيقاع قليلاً، والبعض الآخر وقعت لغته –وفي مناطق متفرّقة قليلة- في فخ المباشرة والتقريرية.

إنّما –وفي العموم- هذه رواية تعدّ نموذجًا في رسم الشخصيات وتداخل مصائرها، نموذجًا في طرح عوالم فانتازية قريبة حدّ التطابق مع واقعنا المأساوي.

لم نكن نعرف الجنّة بعد، لكنّنا عرفنا جنّة موازية عن طريق “القرملاوي”.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى