ملفات

سامح فايز يكتب: آل المنشاوي .. العائلة القرآنية

كتب: سامح فايز

 

 

سامح فايز
سامح فايز

لم يكن يعلم الشيخ ثابت المنشاوى منذ 200 عام أنه يؤسس لبيت سيطلق عليه بعد عقود بيت القرآن ولقب عائلته العائلة القرآنية. كان رجل أحب القرآن فوهب حياته بالكلية إليه فوهبه الله أكثر من أربعون قارئا من نسله يصدحون بالقرآن فى مصر والعالم حتى اليوم.

تولى الشيخ ثابت المنشاوى تحفيظ إبنه الشيخ سيد ليخرج من صلبه شيخان كانا نجمان سطعا فى سماء الصعيد نورا أضاء مصر فأضاءت ذريتهم العالم الاسلامى بأصواتهم التى تغنت بالقرآن حتى أطلق الشيخ عبد الباسط عبد الصمد على الحفيد الشيخ محمد صديق سيد ثابت المنشاوى لقب «الصوت الباكي»

ولد الشيخ صديق المنشاوى «1898 ـ 1985» بمحافظة سوهاج فى قرية منشأة والتى حرفت عن الاسم الفرعونى منشات. وكان من الرعيل الأول للقراء إلى جوار الشيخ أحمد ندا والشيخ محمد سلام والشيخ محمد رفعت والشيخ عبد الفتاح الشعشاعى. درس فى الأزهر وحين عاد إلى الصعيد لم يكن الناس يعرفون شكل الحفلات التى يقرأ فيها القرآن وكانت المسألة مقتصرة على شيخ يقرأ داخل بيت أحدهم فأدخل عليهم الشيخ صديق ذلك فكان مؤسس هذا الشكل فى الصعيد والذى لا يزال يحتفظ بهيئتة حتى اليوم إذ تقام حفلات يحضرها آلاف من أسوان إلى بنى سويف.

ولد للشيخ ثلاثة أبناء ورثوا عنه صوته فكان ابنه أحمد صديق المنشاوى الذى توفى فى حادثة وهو فى التاسعة عشرة من عمره وكان قبل وفاته يتغنى الناس بحلاوة صوته، ثم كان الشيخ محمد صديق المنشاوى أشهر أبناء الشيخ وأشهر أبناء جيله والذى لا يزال يتردد صوته حتى بعد وفاته بأربعين عام، والشيخ محمود صديق المنشاوى

كان الشيخ محمد صديق المنشاوى «1920 ـ 1969» هو الأقرب إلى والده من حيث قوة الصوت وأيضا ورث نفس الكبرياء الذى تميز به الشيخ صديق المنشاوى الأب،حيث أن الشيخ صديق رفض أن يترك الصعيد ليحضر للإختبار فى الاذاعة ومن ثم اعتماده قارئا فيها وكان كبرياءه يمنعه أن يختبره أحد، فلما علم ذلك رئيس الاذاعة حينها أرسل وفدا من الاذاعة إلى الصعيد ليسجل للشيخ ولولده محمد صديق واعتمد الشيخان دون اختبار وكان حدثا جلل حينها كتبت عنه مجلة الاذاعة والتلفزيون فى عام 1953 عن أول مقرئ تنتقل إليه الاذاعة.

وكان لابنه الآخر محمود صديق المنشاوى«1940» مآثره أيضا حيث قبلته الاذاعة قارئا فيها وهو فى الثانية عشرة من عمره ليكون أصغر من تقدموا للإذاعة وأصغر من اعتمدوا فيها، فكان يكفى أن يذكر اسم آل المنشاوى حتى ينتبه الناس للقادم واثقين أنهم على موعد مع أصوات ليست من أهل الأرض بل هى من السماء، لكن تلك الحكاية ليست مؤكده لأنه فى رواية أخرى ذكر أن الشيخ محمود صديق المنشاوى دخل الاذاعة بعد وفة أخيه محمد صديق المنشاوى بثمانية أشهر أى أنه كان فى الثلاثين من عمره.

أنشأ الشيخ صديق المنشاوى أبناءه على القرآن فعاشوا به فى حياتهم فلا يسمع عنهم سوى التواضع الشديد وحبهم للخير إلى جانب الكبرياء الذى استمدوه من رفعة القرآن فلم يهابوا ملك ولا رئيس،فيحكى عن الشيخ أحمد سيد المنشاوى مثلا أنه رفض القراء فى القصر الملكى بسبب شرطه الذى أعجز الملك وهو أن تمنع المقاهى تقديم المشروبات الكحولية أثناء إذاعة القرآن من القصر الملكى.

وتلك الحادثة الشهيرة للشيخ محمد صديق المنشاوى حين حضر إليه أحد وزراء عبد الناصر يدعوه لحفل يحضره الرئيس قائلا:« سيكون لك الشرف الكبير لحضور حفل يحضره الرئيس عبد الناصر» لكن الشيخ رد عليه قائلا:«لماذا لا يكون هذا الشرف لـ عبد الناصر نفسه أن يستمع إلى القرآن بصوت محمد صديق المنشاوى» ورفض أن يلبى الدعوة قائلا:«لقد أخطأ عبد الناصر حين أرسل لى أسوأ رسله». ورفض رغم حب الشيخ لـ عبد الناصر لكن كبرياؤه آبى عليه ذلك.

وكانت تلك الرفعة خارج مصر أيضا حيث حصل الشيخ محمد صديق المنشاوى الابن على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من الرئيس الاندونيسى أحمد سوكارنو وحصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية من سوريا.

وكما كان القرآن يرفعهم أمام الملوك والرؤساء فقد كانت أخلاق القرآن تزيدهم تواضعا أمام الفقراء والمساكين والعامة. فكان الشيخ صديق المنشاوى الذى رفض أن يقرأ خارج الصعيد لا يرفض طلبا لأحد بالقراءة، فقيرا كان أو أو من البسطاء، ولم يطلب مالا ابدا ولم يحدد أجر لقراءته حيث حكى عنه أنه كان يعطى تابعا له عشرون قرشا فى كل حفل، لكنه فى حفلة معينة أعطاه خمسة عشر قرشا فلما سأله التابع، رد الشيخ، أن ذلك كل ما حصل عليه من أصحاب الحفل. وأيضا قصة أخرى حين أخطأ صاحب حفل ووضع فى جيب الشيخ مليما بدلا من جنيه ذهب وكان ذلك العرف فى آجر الشيخ صديق المنشاوى، فلما أدرك صاحب الحفل خطأه أسرع إلى الشيخ ليعطيه الجنيه الذهب لكنه رفض قائلا:«نصيبى المليم والبركة فيه». أما عن الابن الشيخ محمد صديق المنشاوى فقد طلب من أهله ذات مرة أن يصنعوا وليمة كبيرة على شرف بعض الوزراء وكبار الوجهاء على العشاء، فتم عمل اللازم لكنهم فوجئوا فى النهاية بأن ضيوفه كانوا جميعا من الفقراء والمساكين من أهل القرية.

ورغم أن الشيخ صديق المنشاوى كان هو الأشهر وهو الأصل إلا أن شهرته لما تستمر إلى ألآن كما حدث مع ابنه محمد صديق المنشاوى وذلك بسبب خطأ موظفى الاذاعة حين أزالوا تسجيلات الشيخ من الاذاعة وسجلوا عليها أغانى لعبد الحليم حافظ، فأضاع ذلك الخطأ تراثا لأهم قراء الرعيل الأول.

وشهد الشيخ صديق المنشاوى وفاة ولديه فى حياته، الشيخ أحمد ثم الشيخ محمد عام 1969 لينتقل الشيخ صديق المنشاوى إلى الرفيق الأعلى فى نهاية الثمانينات ليلقى تكريما تأخر كثيرا جاء بعد وفاته من الدولة حين حصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى