قصةمشاركات أدبية

لكي تعد جسدها للفناء

 

قصة: محمد الحمراوي

محمد الحمراوي

 

 

 

واقفة فوق المقعد الخشبي، تتحسّس خشونة الحبل المتدلّي من سقف الغرفة . تميل بجسدها إلى الأمام – مغمضة العينين – محاولة أن تُدخل رأسها في طوقه.

إنها تأبى أن تمدّ يدها، لتلفّ الحبلَ حول رأسها . إنها لا تملك شجاعة المشاركة في إثم الاستسلام . لكنها ، وبينما تميل إلى الأمام ، فكّرت :

– ربّما من الأفضل أن أتهيّأ لهذا الموعد .

هبطت إلى الأرض ، وقد دبّت في أوصالها نشوةٌ غريبة . وسرعان ما ركضت إلى الحمّام، وكأنها تركض لتُفلت من هذا الحبل الذي يطاردها، ويتلوى خلفها كأفعى. وحين بلغته، وأغلقت الباب من خلفها، هدأت روحها، وتنفّست الصّعداء .. وأحسّت بالسكينة تتسلل إلى روحها .

ستغتسل، لكي تعدّ جسدها للفناء .

خلعت ملابسها، تحرّرت، تأمّلت جسدها في المرآة. جسدُ امرأة في طور الشباب ، سيكون خلال ساعات تحت التراب، تحت أقدام الأحياء الذين قرّرت أن تترك لهم الحياة لينعموا بها، فريسة للديدان التي تأكل حيواتنا المنهزمة .

فتحت الصنبور، فتساقط شلال الماء هادرًا فوق رأسها . أغمضت عينيها ، واستسلمت لهذا الخدر الذي يسري في أطرافها . وهذا السكون الذي يروّض أفكارَها .

مرّرت يديها على عنقها الطويل، هابطة إلى جيدها، وتحسّست صدرها، تحسّست بأصابعها إستدارة ثدييها، كأنها تكتشفهما للمرة الأولى . قبضت عليهما، ثم إعتصرتهما بكفّيها، وحين لامست حلمتيها شهقت، وسرت في جسدها قشعريرة مباغتة .

ثم أكملت هبوطها إلى بطنها .. لم تفكّر ساعتها في دهونها وترهّلاتها، أو في التعليقات التي آذتها، وإنما أحسّت بعاطفة تشدّها إلى هذه البطن المستديرة . ربّما هي عاطفة الأمومة، الرابطة الخاصة التي تنشأ بين المرأة وبطنها . إنها تحبّ هذه البطن المترهّلة .

وسقطت يداها فوق فخذيها، منهكتين من طول الرحلة، ودارا ، بانسيابية، على البشرة الناعمة، حتى بلغا المؤخرة، فتحسسّاها، من أعلاها إلى أسفلها، وهي تشدّ ظهرها وتميل بعنقها إلى الخلف .

جفّفت جسدها، وخرجت عارية من حمامها، مشت إلى غرفتها، وتجاوزت حبل المصير، إلى سريرها. وتكفّنت في ملاءتها البيضاء، ونامت، حتى الصّباح، حين فتحت عينيها، فرأت من بين عقدة الموت .. شمس الغد .

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى