مقالات

منتصر أمين يكتب: «إغاثة الأمة في كشف الغمة» للمقريزي

 

كتب: منتصر امين

 

 

منتصر أمين
منتصر أمين

“وبعد.. فإنه لما طال أمد هذا البلاء المبين، وحل فيه بالخلق أنواع العذاب المهين، ظن كثيرٌ من الناس أن هذه المحن لم يكن فيما مضى مثلها ولا مر في زمن شبهها. و تجاوزوا الحد فقالوا لا يمكن زوالها ولا يكون أبداً عن الحق انفصالها. ذلك انهم قومٌ لا يفقهون، وبأسباب الحوادث جاهلون، ومع العوائد واقفون، ومن روح الله آيسون. ومن تأمل هذا الحادث من بدايته إلى نهايته، علم أن ما بالناس سوى سوء تدبير الزعماء والحكام، وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد…

إلا أن ذلك يحتاج إلى إيضاح وبيان، ويقتضي إلى شرح وتبيان”..

قد يتبادر للذهن سؤال فور قراءة الفقرة السابقة: “ما هذه البدايةٌ الغريبة للمقال؟!”..

الحق أنني لم أجد مفتتحاً للمقال خير من هذا المقطع الوارد بصدر كلام “المقريزي” في رسالته القيمة (إغاثة الأمة في كشف الغمة)..

هذا المقطع يبين بجلاء رسالة الرجل التي رغب في تمريرها عبر الأجيال والعصور.. لعل الناس تتمكن من التبصر والتدبر جيداً.. وإن كنت أشك في حدوث ذلك!!

سيتبع السؤال السابق بالضرورة سؤال آخر قد يجد القارئ نفسه لا شعورياً مدفوعاً إليه بقوة، وهو: “وما الداعي لقراءة كلام هذا الرجل الغابر، الذي اندثر بعصره وأحواله بين دفات كتب التاريخ والتراث؟”..

حسناً.. سأقتبس الإجابة من كلام “المقريزي” نفسه حين أجاب: “فعزمت على ذكر الأسباب التي نشأ منها هذا الأمر الفظيع، وكيف تمادى بالبلاد والعباد هذا المصاب الشنيع، إذا الأمور كلها – وجلها- إذا عرفت أسبابها سهل على الخبير صلاحها”..

كما أزيد على إجابته سبب خاص بي دفعني للكتابة عن الرجل.. ذلك انه منذ بضعة أيام كنت استشهد ببعض أقواله في معرض مناقشتي لبعض الأصدقاء.. فما كان من أحدهم إلا أن سخر من الرجل مدعياً أن أقواله وآرائه لا تصلحان لهذا الزمان.. لم أخض في جدل سقيم مع هذا الصديق لكن عقدت العزم وأخلصت النية على أن أبين قيمة هذا الرجل الجليل، موضحاً لمن أراد أن يعلم ثمين أرائه ورصين كتاباته.. ومن يدري فَرُبَّ قارئ لهذا النص أوعى من كاتبه..

“المقريزي” هو..

“تقي الدين أحمد بن علي المقريزي” وُلد ونشأ في القاهرة عام 776ه – 1365م.. شهد خلال حياته التي إنتهت في عام 845ه – 1441م العديد من الأحداث والإضطرابات والتقلبات السياسية.. تقلد خلالها ووُلي فيها الكثير من المناصب الهامة مثل الحسبة والخطابة والإمامة..

عاصر “المقريزي” دولتي المماليك (البحرية والبرجية)، اللتين قامتا في مصر لنحو 275 سنة.. تعاقب خلالها السلاطين على سدة الحكم، كانوا يتناحرون على السلطة فانقطعت كل صلة بين الحاكم والمحكوم.. أصبح المماليك يشكلون طبقة أرستقراطية ذات طبيعة خاصة.. إذ جعلوا حياتهم ومعيشتهم خاصة بهم، إبتعدوا عن عامة الشعب ولم يخالطوهم.. كأنما كانوا يشعرون بغربتهم عن هذا الوطن وإختلافهم عن ذلك الشعب.. إمتهن المماليك صنعة الحرب، إستلموا دفة الحكم، حالوا بين المصريين وبين الوصول إليه.. لم يعد يربطهم بالشعب إلا شعرة واهية بقيت من رابطة الدين.. دفعتهم للزود عن الديار من الأخطار المتربصة بها مثل الصليبيين والتتار.. جعلتهم يكثرون من بناء المساجد والقصور والبيمارستانات..

غير أنهم في معاملتهم الخاصة لم يكونوا يتورعوا عن إتيان أبشع المنكرات، وإرتكاب أشد الموبقات والمظالم في حق الشعب.. وعنهم يقول “المقريزي”:

“… وصارت المماليك السلطانية أرذل الناس، وأدناهم، وأخسهم قدراً، وأشحهم نفساً، وأجهلهم بأمر الدنيا، وأكثرهم إعراضاً عن الدين. ما فيهم إلا من هو أزنى من قرد، وألص من فأرة، وأفسد من ذئب. لاجرم أن خربت أرض مصر والشام من حيث يصب النيل إلى مجرى الفرات، بسوء أيالة الحكام، وشدة عبث الولاة، وسوء تصرف أولي الأمر…”.

من هنا نستطيع أن نفهم العوامل التي شكلت شخصية “المقريزي” وكونتها.. فهو ذلك الفتى الذي وُلد لأسرة معروفة أجيالها بالإشتغال بالعلم في القاهرة ودمشق وبعلبك.. شهد في سنواته العشرين الأولى (طفولته ومراهقته وشبابه) عدة حوادث جسام شكلت في مجموعها نوبات آفول واحتضار دولة المماليك ذات البطولات السالفة والأمجاد الغابرة.. شاهد هذه الأحداث من منظور الفئة المفكرة لأبناء الطبقة المتوسطة لهذا العصر.. فقد شاهد كيف جعل الأمراء المماليك من السلاطين الأطفال وقتذاك ستاراً رقيقاً ساذجاً يعملون من خلفه لتحقيق مطامعهم الفردية الضيقة، والتي لم تلبث أن أزاحت هذه الدولة المملوكية من مسرح التاريخ إلى كتبه وصفحاته المنسية..

يكفينا عند هذا الحد ذكر تاريخ الرجل وبيان العوامل المؤثرة في تكوينه.. لكن لا يمكننا التغاضي عن مرحلة في حياته كان لها أبلغ الأثر في كتاباته ومنهجها.. ألا وهي مرحلة تتلمذه على يد العالم والمؤرخ الكبير “ابن خلدون”..

فالمتحقق في كتابات “المقريزي” يجد أن الرجل قد تأثر بالغ التأثر بالظروف المضطربة من حوله، دوماً ما تشتمل مؤلفاته على تلك التوليفة العجيبة من الظروف الإقتصادية والإجتماعية والتاريخية.. مثله في ذلك مثل أستاذه “عبد الرحمن بن خلدون” الذي رأى ما بأسبانيا الإسلامية وشمال إفريقيا من تفكك وفساد وانحلال وفتنة.. فألهمه ذلك تأليف كتابه المسمى (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر).. كما ألهمه كتابة مقدمته الشهيرة التي غدت منذ تأليفها أساساً لدراسة تجارب الأمم وأسباب إنهيار الدول..

أما الدافع وراء كتابة “المقريزي” للكتاب محل هذا المقال فهو – بخلاف ما ذكرناه من أمور عايشها وشهد أحداثها – أنه في العام 1403م إجتاح الطاعون مدينة القاهرة وسائر البلاد المصرية وترك من خلفه أعداداً كبيرة من الوفيات.. كان من بينهم إبنة “المقريزي” التي توفيت بالطاعون في سن السادسة..

لذا فقد شرع “المقريزي” في كتابة هذا الكتاب محاولاً فيه إعطاء صورة واضحة دقيقة عن الأسباب المؤدية للمجاعات التي ضربت مصر على مدار تاريخها والعوامل التي فجرتها.. وعن النكبات والمحن التي حلت بالشعب من جراء استهتار حكامه الغارقين في الملذات والعازفين عن تدبير شئون البلاد والإهتمام بمصالح العباد..

ويأخذ “المقريزي” في كتابته لهذا الكتاب بمبدأ السببية، كما يعتمد في شرحه وتحليلاته الواردة على الأسس المادية إذ يقول:

“.. فالمجاعات وأمثالها ليست شيئاً مفروضاً على الإنسان من عل، ينزل بأمر ويرتفع بأمر. كما انها ليست ناجمة عن جهل الطبيعة وعماها، دون أن يكون للإنسان نصيب فيها. بل هي ظاهرات مادية إجتماعية، لم تلازم البشر دائماً، ولكنها تقع آناً، وتنقطع آناً أخر. تقع عندما تجتمع أسبابها ودواعيها، وتنقطع عندما تنتهي تلك المسببات والدواعي”..

ويرى “المقريزي” أن أسباب تلك المجاعات والنكبات يمكن حصرها في ثلاث.. الآفات السماوية أو الطبيعية.. شراء المناصب والمراكز الحكومية بالمال.. تأثير العامل النقدي..

ولا يكتفي بتعداد الأسباب ووصف النتائج والآثار المؤلمة التي أدت إليها.. بل يعمد إلى وصف العلاج من وجهة نظره وتقديم المقترحات الناجعة لإزالة الداء ورفع البلاء.. والتي أترك للقارئ متعة الإطلاع عليها بتمعن في هذا الكتاب القيم الذي أتحفنا به “المقريزي” منذ أكثر من خمسة قرون مضت..

#دمتم_مبدعين..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى