قصةمشاركات أدبية

إلى أين هاجرَ الأولياء؟

قصة: أسماء جابر

 

أسماء جابر
أسماء جابر

 

لم يخْلُ جيل في هذه القرية من  زمرة ِ صالحين،كما لم يبرأ  أي جيل فيها من طابور فُسَّاق مقامرين ..لولا هؤلاء الآخِرِين  ما صارت  حضرة الأولياء في طي النسيان .

كانت تشيرُ لي بيدها التي التهمت أنياب العمر نضارتها قائلة:

_من هنا من خلف مبنى النقطة .

ثم تُحَرِّك يدها الأخرى شَمَالاً قائلة

_ حتى هناك عند شجرة السنط  ..كل هذا كان حرمًا لهم ،قبل أن يذهبوا.

كان خيالي قد امتلأ بما رَوَت به عطشي للحكايا، ثم ها أنا أستكشف موطن الحكايات ،أدرتُ نظري، وخمنت كم تكون المساحة التي قامت بتحديد أركانها لي، بالتقريب هي فدانين أو يزيد، طّوَّقَتِ الشمسُ بنورها البطيء كل شيء حولنا ، كنتُ قد ضّيَّقْتُ خطواتي الواسعة وتباطأتُ عندما أحسستُ بقدميها تتثاقلان أو هما على وشك الوقوف، كنتُ أعرف أن ثمة ذكرى تمر الآن بعقلها ،وتنثر بقلبها عبقًا مشبَّعا برائحة الموتى.

كان الشارع الذي امتد ما بين طرفي القرية البحري والقبلي  “شارع النصارى”  ليس كما هو الآن فالبيوت  التهمت ميدانه وتفرّع إلى حواري ضيقة ، كانت خَالية في هذا التوقيت إلا من غفراء النقطة.

كان الشارع طريقًا للعابرين نهارًا ،ومن بعد أن يصمت كل شيء كانوا يصطفون علي  جانبه الشرقي على الحافة  الغربية للجبانة ويضيئون حتى الفجر.

إحدى جداتها  رأتهم ،بجلابيب بيضاء، يحملون مشاعلاً لا مثيل لها ، في غمرة الظلام  الذي استوى على كل شيء  لم تميز ملامحهم ،فشهقت ثم وصفت لجدها الضرير ما تراه على أطراف الجبانة ، صَمَتَ ثم طلب منها أن تنبهه بوخزة في رجله المتدلية من على حمارته ،عندما يصلان إلى مكان أهل الحضرة ويصيران بمحاذاتهم ، ولمَّا سارا باتجاههم ،ألقى العجوزُ السلامَ عليهم فردوا التحية ثم قال أحدهم : “غيِّر طريقك ياحاج”.فكان الجواب بالرضوخ الصامت للأمر والمضي دون استفسار .

كانا عائدين من إحدى أماسيه التي كان يقضيها في ديوان العائلة، يأتيان من قبل الغروب ،يقطعون طريقهم من الجهة البحرية، يعبرون الجبانة التي كانت تتوسط القرية ، كانت تسير أسفل حمارته وأحيانًا تقودها من خَدَمَتِها، كانت دابته تعرف الطريق، لكن الصغيرة  كانت تصحب جدها ؛كي لا يعترضه أحد قاطعي الطريق إذا تأخر ليلاً وهذه عادته .

 

لم تكن البقعة شاسعة ولم تكن براحًا يغري بالسطو عليها ،كانت مقابرًا للطيبين ،لن ينشق جبل القرية عن رجال مثلهم ،كانوا ينيرون الدجى ليلاً، رَوَىَ واستقى السامرون عبير كراماتهم ثم تداولها اللاحقون دونما تدبر كما يَتَدَاولُهم الصباح والمساء.

 

ذات غياب لكل رادع، استباح من أوتي الفتوة  بالوراثة  أرضَ الأولياء، ولم يجرؤ ضعفاء ذابلون بالتضحية من أجله، بل وقفوا انتظارًا لخارقةٍ تَحِلُّ من لَدُنِ ربِّ أصحابِ المقام ،

مستسلمون لمن أقسم أن بين يديه أوراقًا تثبت ذلك ، يتناقلون هامسين بأنه قد باع  أطيانًا تركها آباؤه الإقطاعيون، وسرت الأقاويل    أنه بنقودها اشترى الفضاء الطاهر، فصدقه البلهاء…وبثمن بخس اشترى بعضُ من ضاقت بهم منازلهم _من كثرة التوالد_  حرمَ الصالحين، رغم أن شرق القرية امتدادٌ لا نهائي يُسْمَح  لهم استيطانه إن شاءوا .

بينما هي منهمكة في سكب ذكرياتها ،بدت لعيني  ملامح قبة باهتة الاصفرار مشيدة من الطوب اللبن ،ليست بالشامخة، ولم يكن بها شرخ واحد، كأنما يدُ بنَّاء ماهر مسَّدتها للتو ، منغرسة بين عمارات سكنية، شيدتها الحكومة للأهالي الذين جرفت منازلهم  السيول الموسمية التي كانت تضرب القرية، كانت المباني الإسمنتية الداكنة  ،ذات الطوابق العالية خلف  قسم الشرطة.

باستغراب ٍسألتها عن كُنْهِ هذه القبة  قالت “إنها الأثر الوحيد الذي عجزت  جرافات العمال عن هدمه ،كانت معدات الهدم الضخمة  تعود للخلف ترتفع مقدمتها تتحرك باتجاهه ثم لا تلبث فتقع قبل أن تمسها بسوء “.
صدَّقْتُها قبل أن يدرك العقل مغزى الكلام وأيقنتُ الآن  بما صدقت ، بعد أن تعلمت كيف أدير الفكر فيما أتلقى.

 

**انتهت**

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى