ملفات

سامح فايز يكتب: المولوية .. الركض إلى فتنة العشق (1 – 2)

كتب: سامح فايز

سامح فايز
سامح فايز

 

مَنْ لا يركض إلى فتنة العشق يمشي طريقا لا شيء فيه حي. هكذا أود أن أموت في العشق الذي أكنه لك. كقطع سحب تذوب في ضوء الشمس. ولتعلم أن العشق صامت تماما وأنه ﻻ توجد كلمات يمكنها وصفه.

كلمات عن العشق أوردها مولانا جلال الدين الرومي، عنه، وعن الدرويش الذي شاركه رحلة التصوف شمس الدين التبريزي، وكتبتها الروائية إليف شافاق، في روايتها الأشهر قواعد العشق الأربعون.

رواية كتب عنها أحد الأصدقاء ساخرا على الفيس بوك من فرط انتشارها «خايف أفتح الشنطة ألاقي واحد قاعد يقراها».

عن العشق الإلهي كتب مولانا الرومي، وعن ذلك العشق سردت شافاق روايتها الأعلى مبيعا، وعن العشق الذي أصبحنا نبحث عنه بعيدا عن معاناة الحياة ترجمنا تلك الكلمات، فكل قارئ ومستمع أسقط الكلمات والنغمات على عشقه الخاص.

مولانا جلال الدين الرومي أو محمد بن محمد بن الحسين بهاء الدين البلخي «1207 ـ 1273».. ولد في بلخ من أعمال خراسان، والمسماه الآن أفغانستان، فأصبحت بعد 800 عام من مولد مولانا جلال الدين الرومي هي نفسها الدولة التي تقتل كل شيء يدعو للحب، تحت دعوى تطبيق شرع الله.

ولن تنتهي الغرابة حين نعلم أنه نزح مع أسرته إلى بغداد وهو في الرابعة من عمره هربا من زحف المغول، ثم ينتقل به المقام إلى قونية سنة 623 في عهد السلاجقة الأتراك. فنراه عاصر التتار ومذابحهم والصليبين ومعاركهم والجميع كان يقول “يا رب إنى مغلوب فانتصر”.

ربما بسبب هذه الدموية زرعت في نفس الرومي الرغبة في البحث عن الحب ووحدانية الوجود، تلك الأمنية التي وصل إليها بعد لقائه بشيخه وصديقه شمس الدين التبريزي.

الوداع لا يقع إلا لمن يعشق بعينيه أما ذاك الذي يحب بروحه وقلبه فلا ثمة انفصال أبدا. – جلال الدين الرومي

استمع إلى صوت الناي كيف يبث آلام الحنين يقول: مُذ قُطعت من الغاب وأنا أحنُ إلى أصلي. – جلال الدين الرومي

أيها البشر الأتقياء التائهون في هذا العالم لم هذا التيه من أجل معشوق واحد؟ ما تبحثون عنه في هذا العالم ابحثوا في دخائلكم، فما أنتم سوى ذلك المعشوق. – جلال الدين الرومي

لكن قبل أن يتصل مولانا جلال الدين الرومي بـشمس الدين التبريزي كان له لقاء بأول من أثر فيه روحيا وأدبيا، إنه الشاعر وعالم الدين الإسماعيلي الكبير فريد الدين العطار، والذي أهداه بدوره نسخة من ديوانه «أسرار نامة». وهو ديوان شعري يشترك مع أعمال الرومي في روحانيته العالية وخوضه في بحور العشق الإلهي والذوق الرباني.

وتروي الأخبار أن العطار أوصى والد مولانا جلال الدين الرومي قائلا: «اعتني بهذا الولد فإنه عما قريب سينفث في هذا العالم نفثا مشتعلا».

بعد وفاة والد مولانا جلال الدين الرومي اشتغل بالتدريس في قونية، ثم تركه وزهد الدنيا وتصوف سنة 642 هـ.

وعلى الجانب الآخر، كان هناك درويش يحلق في سماء الصوفية يجوب البلدان؛ بحثا عن تلميذ بعينه ينقل إليه أسرار الطريقة والحكمة. فلما وصل إلى قونية السلجوقية التركية أدرك بغيته في مولانا جلال الدين الرومي. ولم يفترقا حتى عام 1248 سنة اغتيال التبريزي.

وروي في حكاية مقتله أن أناسا طرقوا الباب عليه فلما فتح، اختفى. ويقول آخرون إن مَن قتله هي صلة المحبة الشديدة مع مولانا جلال الدين الرومي، ذلك أنها أثارت غيرة أتباع مولانا الرومي وأوغرت صدروهم على الدرويش الذي ظهر في حياة مولانا الرومي فجأة فجعل لا يفارقه. فأرادوا أن يزيحوه عن طريقهم.

لكن مقتل التبريزي كان نقطة نور أضاءت في حياة الرومي حتى وصلت إلينا بعد 800 عام وقد أصبح أتباعه بالملايين على مستوى العالم. حيث حزن الرومي على موت التبريزي، وفاض حبه العميق للتبريزي عن الطريقة المولوية في شكلها الذي نعرفه الآن.

فالعاشق لا يعرف اليأس أبدا وللقلب المغرم كل الأشياء ممكنة. – جلال الدين الرومي

أنا أشبه أنا واحِدُنا يُشبِهُ الآخر. – جلال الدين الرومي

ﻛﻞ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺗﺼﺒﺢ ﺃﻭﺿﺢ ﺣﻴﻦ ﺗﻔﺴر، ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺸﻖ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﻭﺿﺢ ﺣﻴﻦ ﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻟﻪ ﺃﻱ ﺗﻔﺴﻴﺮﺍﺕ. – جلال الدين الرومي

عبر مولانا جلال الدين الرومي عن حزنه بوفاة التبريزي حركيا في شكل الرقص الدائري الذي نعرفه الآن، حيث كان يدور ويدور حتى يصل إلى حالة من الذهول ويبكي وينتحب مبتغيا وجه الله، ثم بدأ في نظم شعر يعبر فيه عن آلام الفراق والانفصال عن الأستاذ والمعلم، فكتب عن الحب والفراق واللوعة والتطلع للقاء الحبيب. فكتب ديوانه الأضخم المثنوي وله أيضا ديوان شمس الدين التبريزي.

ومنذ سنوات قريبة ترجم شاعر أمريكي أشعار مولانا جلال الدين الرومي لتتحول تلك الأشعار لأعلى الكتب مبيعا، حتى قيل إنها تجاوزت مبيعات الإنجيل أو قاربته. وظلت أشعاره الأعلى مبيعا في أمريكا لسنوات.

الغرب أدرك تلك القيمة التي سنها الرومي حين تحدث عن وحدة الوجود، فجميعنا نعيش في وجود واحد مهما كانت تصاريفنا وسبل تعبيرنا عن ذلك الوجود. لذلك فلن نتعجب حين نعلم أن من حمل نعش مولانا جلال الدين الرومي بعد وفاته خمسة أشخاص من ملل مختلفة. وحين حمله الاتباع إلى القبر أطلقوا على ليلة الوفاة «ليلة العرس» أو ليلة الوصال، أي الوصل بمعشوقه. ليرحل عنا صاحب ومؤسس الطريقة المولوية عام «1273».

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى