ملفات

سامح فايز يكتب: المولوية .. فتنة الركض إلى العشق (2 – 2)

كتب: سامح فايز

 

سامح فايز
سامح فايز

وَاللَه ما طَلَعَت شَمسٌ وَلا غَرُبَت  إِلّا وَحُبُّكَ مَقرونٌ بِأَنفاسي

وَلا  جَلستُ  إِلى  قَومٍ أُحَدِّثُهُم           إِلّا وَأَنتَ حَديثي بَينَ جُلّاسي

وَلا ذَكَرتُكَ مَحزوناً وَلا فَرِحاً          إِلّا وَأَنت بِقَلبي بَينَ وِسواسي

وَلا هَمَمتُ بِشُربِ الماءِ مِن عَطَشٍ      إِلّا رَأَيتُ خَيالاً مِنكَ في الكَأسِ

وَلَو  قَدَرتُ عَلى الإِتيانِ جِئتُكُم    سَعياً عَلى الوَجهِ أَو مَشياً عَلى الرَأسِ

وَيا فَتى الحَيِّ إِن غَنّيتَ لي طَرَباً  فَغَنّنّي واسِفاً مِن قَلبِكَ القاسي

مالي وَلَلناسِ كَم يَلحونَني سَفَهاً    ديني لِنَفسي وَدينُ الناسِ لِلناسِ

 

 

هذه الكلمات من أشعار الحلاج، كان يتبادلها الجميع مصحوبة بألحان الموسيقار عمر خيرت، في مسلسل الخواجة عبد القادر، الذي عرض في شهر رمضان عام 2012.

«فللهِ قومٌ في الفراديسِ مذ أبتْ قلوبهم أن تسكن الجوَّ والسما

ففي العجلِ السرُّ الذي صدعتْ له رعودُ اللظى في السفلِ من ظاهر العجى

وأبرقَ برقٌ في نواحيهِ ساطعٌ يجلِّلُهُ من باطنِ الرجلِ في الشوى

فأولُ صوتٍ كان منه بأنفه فشمته فاستوجبَ الحمدَ والثنا

وفاجأهُ وحيٌ من اللهِ آمرٌ وكان له ما كان في نفسه اكتمى

فيا طاعتي لو كنتِ كنتُ مقرباً ومعصيتي لولاكِ ما كنتُ مجتبى

فما العلم إلا في الخلافِ وسرِّه وما النورُ إلاَّ في مخالفة النهى»

 

في العام 2014 تكررت المسألة مع مسلسل السبع وصايا، من إخراج خالد مرعي، وسيناريو محمد أمين راضي.

حالة من الوجد انتابت الجميع مع سماع أنغام صوفية، جعلت البعض يتابع المسلسل فقط عشقًا في تتر البداية، أو الحالة الصوفية التي يضفيها على الأحداث.

تلك الحالة من الوجد التي تنتاب الجميع مع النغم الصوفي والطريقة المولوية تحتاج لنظر.

ربما كان عودة ظهور الطرق الصوفية عامة، والطريقة المولوية على وجه الخصوص بعد الثورة، وانتشارها بين الشباب من كل الأديان وليس حكرًا على المسلمين فقط، وحتى بين اللادينين والملاحدة، نوع من رد الفعل على تلك الحالة من التشرذم والكره، التي ولدها صعود التيارت الدينية المتطرفة لحكم مصر بعد الثورة. حيث أصبح الجميع يبحث عن حالة روحية تعيد القدرة على التعامل والقبول والتسامح. والغريب في المسألة أن الأغلبية وجدت السبيل في طريقة صوفية، أسسها رجل احتفلنا منذ 3 أعوام على مرور 800 عام على ميلاده. رجل عاش نفس الحالة التي ربما نعيشها الآن، فلا فرق بين التتار وما خلفوه من دم وبين داعش والقاعدة والجماعات الدينية المتطرفة وما خلفته من دم.

يؤمن المولويون بالتسامح غير المحدود، بتقبل الآخرين، بالتفسير والتعقل الإيجابي، بالخير والإحسان، وبالإدراك بواسطة المحبة.

من هنا، كان اهتمام الجميع بالمولوية والطرق الصوفية طلبًا للعودة للسلام النفسي. قد يجهل البعض ذلك التاريخ الذي بدأه جلال الدين الرومي، لكن تلك الحالة من الحب التي تنشأ مع التوحد بالرقص الصوفي وألحانه وكلماته التي تصاحبه، هي الترجمة لهذا الإقبال من الجميع.

والمولوية أحد الطرق الصوفية السنية، واشتهرت بما يعرف بالرقص الدائري لمدة ساعات طويلة، حيث يدور الراقصون حول مركز الدائرة التي يقف فيها الشيخ، ويندمجون في مشاعر روحية ترقى بنفوسهم إلى مرتبة الصفاء الروحي فيستغرقون في وجد كامل يبعدهم عن العالم المادي، ويأخذهم إلى الوجود إلالهي.

في مصر، كان يدعى أتباع المولوية بـ”الدراويش” أو “الجلاليون” نسبة إلى جلال الدين الرومي. كانوا يتجمعون في مكان يسمى التكية المولوية أو تكية الدراويش. والدرويش هو مسمى المريد المولوي، وتعنى الفقير أو الشخص الذي يرضى بأقل الحاجات المعيشية ويمتن لذلك.

تقوم الطريقة المولوية على الرقص الدائري، حيث يقوم المريد الصوفي – أو الدرويش كما يلقب في المولوية – بالدوران حول نفسه، يصاحب ذلك الموسيقى والتي تسمى “السمع”.

وذلك الطقس له رمزيته، فالثياب البيضاء التي يرتديها الراقصون ترمز إلى الأكفان، والمعاطف السوداء ترمز إلى القبر، وقلنسوة اللباد ـ القبعة التى يرتديها الراقص على رأسه ـ  ترمز إلى شاهد القبر، والبساط الأحمر يرمز إلى لون الشمس الغاربة، والدورات الثلاث داخل مكان الرقص ترمز إلى المراحل الثلاث في التقرب إلى الله، وهي طريق العلم، والطريق إلى الرؤية والطريق المؤدي إلى الوصال. وسقوط المعاطف السود يعني الخلاص، والتطهر من الدنيا، وتذكر الطبول بالنفخ في الصور يوم القيامة.

وتقسم  دائرة الراقصين على نصفي دائرة، يمثل أحدهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة، ويمثل الآخر قوس الصعود، أي صعود الروح إلى بارئها. ويمثل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها، أما حركة الدراويش حول الباحة فتمثل القانون الكوني، ودوران الكواكب حول الشمس وحول مركزها.

وتقوم الطريقة المولوية على عناصر ثلاثة أساسية هي: الموسيقي والرقص وإنشاد الشعر، والذى كتب أغلبه مؤسسها مولانا جلال الدين.

وترمز الرقصة الدائرية التي يؤديها الدراويش، إلى دورة المجرات في الفضاء، وإلى كل ما يتحرك في الطبيعة من كائنات. أما حفل السماع فيكون على النحو التالي:

يدخل الراقصون إلى الحلبة. ثم يدخل بعدهم الشيخ الذي يمثل الوسيط بين الأرض والسماء، فيحيي ويجلس على السجادة الحمراء. ثم يشرع المغنون في ترديد مدائح وأذكار من أشعار جلال الدين الرومي، عندها يتقدم الدراويش ببطء ويطوفون ثلاث مرات حول السجادة الحمراء.

في نهاية الدورة الثالثة يتخذ الشيخ مكانه على السجادة فيتخلى الدراويش عن جلبابهم الأسود ليظهروا بلباسهم الأبيض وكأنهم تحرروا من جسدهم المادي من أجل ولادة جديدة، في تلك اللحظة يأذن لهم الشيخ بالرقص فيبدأون في الدوران ببطء، وقد مدوا أذرعهم كالأجنحة: اليد اليمنى وكفها إلى السماء واليسرى وكفها إلى الأرض. وهذه الحركة هي كناية عن أن الدرويش يتلقى الطاقة الحيوية من السماء ليمنحها إلى الأرض.

وعند بدء الدورة الثالثة يدخل الشيخ الحلقة لأداء رقصته، فيتسارع إيقاع الآلات، ثم يبدأ الدوران في مركز الدائرة فيكون بمثابة الشمس وإشعاعها، وعندما ينتهي الشيخ من الرقص ويعود إلى مكانه تتوقف الآلات عن العزف ويشرع المنشدون في ترتيل القرآن إيذاناً باختتام مجلس السماع.

والرقص في حلقات السماع هو تحرير للجسد وانفلات من قيود المادة بحيث يصبح الراقص، وهو يدور حول نفسه، هو النقطة والدائرة معاً، أي محور العالم، ومن خلاله تلتقي السماء بالأرض وتبدآن حركتهما فيكون السماع، والحال هذه، مرآة أوسع هي حركة الأكوان المرئية وغير المرئية.

أما الموسيقى المصاحبة، فإنها كناية عن تناغم هذه الأكوان فيما بينها في نظام محكم، هو أكبر دليل على وحدانية الخالق.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى