التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

أحمد عبد الجواد يكتب: درويش قلندرى .. الطريق .. المقام الثالث «1»

كتب:أحمد عبد الجواد

 

أحمد عبد الجواد

 

سلسلة درويش قلندرى

الطريق

المقام الثالث

القرن الثالث والرابع

(1)

البداية

(أ)

عزيزى القارئ وصلنا الآن إلى محطة مهمة بعد العديد من المناوشات والمصطلحات، وأقوم بالإغارة عليك مرة، وتغير أنت علىَّ أخرى، هنا يجب أن نقف وقفة من يريد أن يقول.. سيدى دعنى أقولك لك الآتى:

  • الحديث عن بداية التصوف الإسلامى بعد أن تعرفنا على معناه وقدمه، حديث واجب.
  • المعلومات التى اقدمها لك هنا هى مجموعة قراءات خاصة بى، تدل فقط على اننى أحب القراءة لكنها لا تدل على أى شيئ آخر.
  • لو قرأت فى أى مكان أن الصوفية بدأت فى الشهر (كذا) لعام (كذا) فاعلم أنك أمام مخترع كبير أو شخص كان يعيش معهم..
  • ظهور التصوف بمعناه الذى نقرأه فى الكتب تبلور فى القرنين الثالث والرابع.

(ب)

دعنى أقول لك أن التصوف لم يظهر فجأة فى التاريخ الإسلامى، لكنه كذلك لم يكن حركة سياسية أو أدبية نستطيع أن نقول إنها ظهرت على يد فلان، المهم ما نقدر أن نقوله إن التصوف اتجاه له أبعاده الدينية والفلسفية والفكرية والأدبية، وأن التصوف بمعنى الاستغناء عن الناس بالله، والزيادة فى العبادات والزهد بشكل مبالغ فيه، كان أمرًا مقبولًا فى عصر زادت فيه الفجوة الاجتماعية بين الفقراء والأغنياء، وزادت فيه أماكن شرب الخمور وما شابهها وكان هذا تقريبًا فى القرن الثانى للهجرة فى العصر الأموى، من هنا نستطيع القول إن التصوف ظهر تقريبًا فى العصر الأموى وبدأ كحركة زهد ثم تطور على يد أجيال وأجيال.. واتخذ شكله ووضعت قواعده فى القرنين الثالث والرابع.

(ج)

من المفيد ونحن نتحدث عن التصوف أن نلقى بأنفسنا فى أحضان الكتب القديمة التى لامست الروح وأجابت عن سؤال من وما وكيف ومتى (التصوف)؟ ولعل من أقدم الكتب الأدبية والدينية معًا هو كتاب الحارث المحاسبى (التوهم) والمحاسبى أطلق عليه هذا الاسم من كثرة ما كان يحاسب نفسه (مبالغة فى الزهد) وقد كتب نصًا بديعًا عن (تخيل) يوم القيامة وما يمر به العبد من منازل ودرجات وكيف يسير وبجواره الحيوانات والوحوش، والأهوال والنعيم الذى يقابله، وهو كتاب صغير الحجم لكنه قيم.. ومن أقواله:

” ومن التوفيق المراقبة … من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زين الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة..

وهذا يرقق القلب ليصل إلى المحبة ..المحبة ميلك إلي المحبوب بكليتك، ثم أيثار له علي نفسك وزوجك ومالك، ثم موافقتك له سراَ وجهراَ، ثم علمك بتقصيرك في حبه”

وفى عصره كان هناك البسطامى الملقب بسلطان العارفين .. ولنا معه وقفة خاصة، وليست كلمات عابرة..

ومن عجيب السلوك فى بعض الصوفية اتصافهم بمجموعة صفات غريبة، لكنها تتماشى مع فهمهم للحياة، ومعرفتهم بأنهم مشهورون لذا أخذوا على عاتقهم تعليم الناس عن طريق الفعل وليس الكلام فقط.. حتى ولو كان الفعل غريبًا..

فبشر الحافى كان لا يلبس نعلًا بل يمشى حافيًا، وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى حذّاء فطلب منه شراكًا لنعله فقال: ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس؟! فطرح النعل من يده وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلًا أبدًا.

(د)

فى نفس الفترة وهى القرن الثالث الهجرى كان هناك العلامة والصوفى والمحبب إلى قلبى “ذو النون المصرى”

وهو رجل علم فى المقام الأول.. فقد روى الحديث عن مالك بن أنس والليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة. درس على علماء عديدين وسافر إلى سورية والحجاز.

يقول الإمام القشيرى فى رسالته إنه أول من عرف التوحيد بالمعنى الصوفى وإنه أول من وضع تعريفات للوجد والسماع والمقامات والأحوال.

اتهمه معاصروه بالزندقة وحاولوا الإيقاع بينه وبين الخليفة المتوكل واصفينه بأنه “أحدث علمًا لم تتكلم به الصحابة”، فاستجلبه المتوكل إليه في بغداد سنة 829م، ويقال أنه لما دخل عليه وعظه فبكى، فرده إلى مصر مكرمًا.

وتعالوا نسمع معًا الحكاية..

روى عمرو بن السرح عن الشيخ ذى النون عندما أرسل فى طلبه الخليفة المتوكل وقد أمر بقتله: {قلت لذى النون: كيف خلصت من المتوكل، وقد أمر بقتلك؟ قال: لما أوصلنى الغلام، قلت فى نفسى: يا من ليس فى البحار قطرات، ولا فى ديلج الرياح ديلجات، ولا فى الأرض خبيئات، ولا فى القلوب خطرات، إلا وهى عليك دليلات، ولك شاهدات، وبربوبيتك معترفات، وفى قدرتك متحيرات، فبالقدرة التى تُجيرُ بها من فى الأرضين والسماوات إلا صليت على محمد وعلى آل محمد، وأخذت قلبه عنى، فقام المتوكل يخطو حتى اعتنقنى، ثم قال: أتعبناك يا أبا الفيض}.

ويقال إن المتوكل طلب منه أن يكتب له دعاء يدعو الله به دائماً، فكتب له: {رب أقمنى فى أهل ولايتك، مقام رجاء الزيادة فى محبتك، واجعلنى ولهًا بذكرك فى ذكرك إلى ذكرك، وفى روح بحابح أسمائك لاسمك، وهب لى قدمًا أعادل بها بفضلك أقدام من لم يزل عن طاعتك، وأحقق بها ارتياحًا فى القرب منك، وأحف بها جولًا فى الشغل بك، ما حييت وما بقيت رب العالمين، إنك رؤوف رحيم. اللهم بك أعوذ وألوذ وأؤمل البلغة إلى طاعتك، والمثوى الصالح من مرضاتك، وأنت الولى القدير}

#أحمد_عبد_الجواد

#درويش_قلندرى

#صوفى

#المقام_الثالث

#الطريق

 

الوسوم
اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة