مقالات

أدهم العبودي يكتب: موسم الهجوم على «بهاء طاهر»

كتب: أدهم العبودي

 

 

أدهم العبودي.
أدهم العبودي.

غالبًا ما تكون قيمة الأديب الحقيقية في مُجمل منجزه، ومشروعه الذي سار إليه منذ سنوات، قد نختلف على بعض ممّا قدّم، وقد نتّفق على بعض، لكن ليس من المطروح قط أن نخسف بهذا المشروع الأرض، لا لشيء إلا أنّ هذا الأديب تأتيه الجوائز وهو جالس في بيته، ولم يسع إليها، أو تكرّمه مؤسّسات الدولة التي تعرف قدره فتحتفي به، هنا تكون غاية الهجوم على شخص الأديب الكبير “بهاء طاهر” غامضة، وغير موضوعية، لأنّ النقد لم يطل أعماله التي قدّمها لا من قريب ولا من بعيد.

تساءل أحدهم على صفحته: “بهاء طاهر” كبير ليه؟

هل بات من الجحود –لهذه الدرجة- أن نطرح تساؤلاً مثل هذا!

“بهاء طاهر” كبير غصب عنّي، وعنكم، لأنّه مشروع عمر، وحياة، تكمُن مواصفات مشروعه الحقيقية في رسوخ هذا المشروع، وبنائه على مهل، دون صخب ولا ضجيج، اللغة السهلة الممتنعة، الموضوعات المليئة بالرموز والإسقاطات، ربما قرأ الكثيرون رواياته: “قالت ضحى”، “الحب في المنفى”، “واحة الغروب”، وغيرها. كلّها تحمل سمات متباينة، مشتركة في أشياء، تغوص في هموم هذا الوطن بشكل حميم، وتؤاخذه في مواقف، وتدينه في أخرى، وتؤازره في غيرها، إذن “بهاء طاهر” مشروع وطن، مشروع إنسان عظيم، إذا جالسته لعلّك شعرت بهذا في ابتسامته الحانية، أو بساطته الشديدة، أو في طيبته التي لا تتّسق وهذا الزمان، أجل، هذا الزمان الذي يلقي كلّ واحد فينا بحجر على رأس أخيه، عامدًا قتله، أو ينصب له فخًّا مستغلًا حسن نيّته وبراءته، ما الذي يجعل –في النهاية- الكبير كبيرًا؟

إبداعه، ربما، إنسانيته، ربما، إنّما الأهم من ذلك، والذي يجعل الكبير كبيرًا، هو زهد هذا الكبير وتعفّفه، بل وتسامحه –المبالغ فيه- أحيانًا، هكذا هو “بهاء طاهر”، متسامح لحدّ أن يطبطب على كتف الرجل الذي غرس سكّينًا في ظهره، متسامح لدرجة الملائكية، ما أندر هذه الدرجة! لكن “بهاء طاهر” هكذا، لم يعمد أحد إلى إيذائه إلاّ وبادره بتسامحه العظيم، ربما هذا ما جرّأ الكثيرين كي يشنّوا حملة الهجوم عليه تلك، والآن، في التوقيت الذي يبجّلون فيه أناسًا آخرين، تجمع فيما بينهم روابط المنفعة، والمصلحة، لا أتّهم أحدًا بشيء، فقط أتّهم نفسي، بتقصيري في حقّ أبي وأستاذي، كيف هان عليّ؟ كيف تركته يتعرّض لمثل هذا الهجوم دون حتّى أن أؤنّب ذاتي، ما الذي قدّمه لي “بهاء طاهر” ولغيري من أجيال متعاقبة؟ وما الذي قدّمناه نحن؟ لا شيء، كلّ الذي قدّمناه هباء!

السؤال هنا: ما الذي عاد يتبقّى من الرموز؟

ما العائد علينا من تشويه هذه الرموز؟

اختلفنا أو اتّفقنا على محتوى مشروعها، لكنّها ستظل رموزًا، مهما عاند الزمن، ومهما تطاول البعض.

أستاذنا الكبير “بهاء طاهر”، لن نعتذر لك عن أفعال بعض كتّاب هذا الجيل، سوف نترك التاريخ يفعل، تاريخك نفسه، لأنّه قادر تمامًا على صدّ هذا الهجوم، وعلى الاعتذار نيابة عن جميع من يسيئون لك، ومن سيفعلون.و أو

 

نقلا عن موقع وجريدة القاهرة

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى