مقالات

شريف ثابت يكتب: معركة الطرف الوحيد

كتب:شريف ثابت

 

شريف ثابت

فى جلسة مجموعة “القراءة الثانية” الأخيرة قبل أيام، وكانت مخصصة لمناقشة رواية الراحل فتحى غانم “الرجل الذى فقد ظله”، دارت مداخلات الحضور بطبيعة الحال حول فنيات الرواية وبناء الشخصيات إلخ، وجاءت مداخلتى حول فتحى غانم نفسه، وكنت قد فرغت لتوى من قراءة كتابه “معركة بين الدولة والمثقفين” والذى يروى فيه تجربته الشخصية فى الحقل الصحفى، ويرصد الفروق بين أسلوبىّ الدولة فى قمع حرية الرأى والفكر خلال عهدىّ ناصر والسادات..

ملاحظتى الأولى كانت حول عنوان “معركة بين الدولة والمثقفين”.. كلمة “معركة” هنا بالنظر لمحتويات الكتاب غير دقيقة لأنها تعنى صراعاً بين طرفين يتبادلا الهجوم والدفاع وفقاً لتفاوت موازين القوى بينهما، بمعنى وجود قدر ولو بسيط من التكافؤ أو التوازن بين الطرفين.. وهو ما لم نجده فى الوقائع المذكورة بالكتاب، إذ أن دور المثقفين يكاد يكون، فيما يروى غانم، مقتصراً على تلقى اللطمات والصفعات من كف السلطة الثقيلة.. المثقفون تحت رحمة السلطة بالكامل.. عيشهم وأمنهم وحياتهم معلقون بخيوط فى قبضة صاحب القرار، سواء أكان رأس المال أو النظام الحاكم أو مزيج منهما.. ويظهر ذلك بوضوح فى أعمال غانم نفسها التى دارت فى كواليس صاحبة الجلالة وعلى رأسها “الرجل الذى فقد ظله” والتى نرى فيها شهدى باشا، رجل المال والسياسة، الذى يتحكم بأمواله فى صحيفة الأيام، خطها وأخبارها وصحفييها، يحركهم كعساكر الشطرنج ويدير الصراعات بينهم بقسوة ودهاء، فيرفع من يشاء ويخفض من يشاء، قبل أن تنتقل هذه السلطة إلى الضباط الأحرار بعد يوليو ١٩٥٢ وحتى يومنا هذا وبشكل أكثر فجاجة..

الملاحظة الثانية كانت عن شخص فتحى غانم.. على الرغم من أنه لم يتعرض لاختبار الألفين وحداشر وتتابعاتها، والذى تعرى ورسب فيه مثقفو مصر رسوب جماعى ساحق، وانكشف أمام قراءهم مدى زيفهم وضحالتهم وتفاهتهم وانفصالهم عن الواقع -فضلاً عن النفاق والادعاء والازدواجية وانفصال القول عن الفعل- عند تعرض كل ما نادوا به فى كتبهم وأغانيهم وأعمالهم لاختبار عملى حقيقى.. لم يتعرض غانم لهذا الاختبار القاسى لوفاته قبل سنوات، ولكن يمكن من خلال كتبه استشفاف تمتعه إلى حدٍ ما بقدر من المسئولية.. ليست فقط مواقفه السياسية،  وكون رواياته مرآة لمصر الأربعينات والخمسينات وحتى الثمانينات.. ولكن فى خضوع رؤيته وسعيه لتحقيقها لسقف معين من الطموح لم يتجاوزه.. كثيرون قد يرون هذا مأخذاً، إذ لا ينبغى أن يحد المثقف المعارض سقف فى معارضته للأنظمة الحاكمة، وهو كلام براق ولكنه لا يساوى شيئاً فى الواقع، إذ أن المثقفين -كما أسلفت عاليه- تحت رحمة السلطة تماماً، ومن لم يخضع لذهب المعز فسيخضع لسيفه، ومن لم يخضع للاثنين فسيُحاصر وتغلق فى وجهه الأبواب وقنوات الاتصال التى تتيح له نشر رسالته ورؤيته المعارضة (إذا كان يملك واحدة “حقيقية” بالأساس، لا مجرد دور بيمثله على نفسه قبل الآخرين!).. ويجد نفسه فى صراع لا ينتهى لمجرد التقاط الأنفاس، فتختنق معارضته حتى تموت ويزداد النظام الذى يعارضه قوة..

غانم كان مدركاً لهذه النقطة تحديداً، وعبر عنها فى رواياته ويظهر هذا فى معارضته لقمع الحريات فى عهد ناصر مثلاً.. إذ رغم مسئوليته -ناصر- المباشرة عن هذا القمع بدواعى حماية ثورة يوليو ونظامها ومكتسباتها، إلا أن غانم يوجه انتقاداته لأطراف أخرى داخل نظامه مطالباً إياهم بإطلاق الحريات الصحفية التى أقر بها ناصر نفسه (!).. هل هذه جدية حقيقية فى المعارضة السياسية؟!.. جوابى هو: نعم..

هل حقق السقف الأعلى شيئاً؟!.. هل كان على فتحى غانم أن يرفع من سقفه، فيُلقى فى المعتقل وتخسر الحركة الصحفية ما حققه لها من مكاسب ربما تبدو هامشية إذا ما قورنت بمنجزه الأدبى العظيم، ولكن وجودها خير من عدمه، وخطوة على الطريق قد تعقبها أخرى إذا ما توفرت الرؤية والقراءة الصحيحة والفهم الكافى لمفاتيح ومقتضيان الواقع؟!.. نجيب محفوظ نفسه يكاد يكون النموذج الأكثر ذكاءً واكتمالاً، إذ اقتصر فى صياغة معارضته للسلطة وطرح رؤاه وأحلامه الطموحة على رواياته العظيمة، فلم يلفظه النظام أو يحاربه كما فعل مع زملاءه أصحاب النقد السياسى المباشر عالى الصوت، بل بالعكس، حصل على حصانة من داخل السلطة ممثلة فى أحد أهم أركانها، محمد حسنين هيكل.. لم نسمع له صوتاً معارضاً مباشراً، ولكنه بهذا الذكاء حفظ لنا مشروعه العملاق الذى يحمل من الحلم والطموح والنقد والمعارضة ما افتقدته الأصوات الأخرى التى وضعت نفسها فى موضع المواجهة المباشرة مع السلطة، فخسرتها، وضاعت عليها فرصة تحقيق أى شئ مما حلمت به وسعت له من قيم وأحلام..

هذا الطرح الأقرب للمنهج الإصلاحى والذى قد يبدو فى ظاهره فى خدمة السلطة والنظام الحاكم، هو فى حقيقة الأمر السبيل الأكثر فاعلية رغم بطئه لعمل شئ ما حقيقى، وبخاصةً فى ظل أجواء محفوفة بأخطار الفوضى والجنون والإرهاب، وهو ما لم يحذرنا منه مثقفونا الأشاوس أثناء تعبئتهم لآلاف الصفحات عن الثورة والديمقراطية وإرادة الشعوب التى اتضح أنهم لا يعرفون عنها شيئاً..

غاية المثقف دوماً هى عالم أفضل، والحلم واحد من أدواته لتحقيق هذه الغاية، ولكن الحلم ما لم ينطلق من فهم للواقع، فسينقلب إلى كابوس كالذى نحياه وتحياه المنطقة كلها منذ أربعة أعوام..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى