مقالات

عمرو العادلي يكتب: الرائد ليس هو من يسبق بخطوة

  كتب: عمرو العادلي

 

عمرو العادلي
عمرو العادلي

      

كان لي ابن عم، يكبرني بأربعة سنوات، وبالطبع يسبقني في خبرته بالحياة، وكان هذا الأمر يستدعي مشاعر الحسد المؤقت، عرف البنات وحكى عنهن عندما كان في الخامسة عشرة، وأنا في الحادية عشرة، طلع في وشه شنب وأنا لا، تعلم فن ركوب الدراجات قبلي بكثير.. إلخ. باختصار كان هو الدليل وأنا أحاول مجاراته بشكل دائم.

إلى أن أتى اليوم الذي سبقني فيه بخطوة ولم أتمنى أن أخطوها مثله، دخل السجن.

قبل تلك الواقعة بسنوات، وتحديدا وهو في الثانية والعشرين طلع رخصة قيادة سيارة، وبعدها بأشهر قليلة طلعت رخصة مثله، برغم الأقماع البرتقالية الكثيرة التي أطحت بها وأنا راجع، بعد ذلك بسنة عمل باسبور رغم أنه لم يترك المنصورة أبدا، فعملت مثله باسبور برغم عدم خروجي من مصر ولا مرة.

ذات يوم قلت له لقد سمعت أغاني عمر فتحي بناء على نصيحتك، وأعجبتني، فرد بغضب:

  • عمر فتحي ايه، هوّ فيه طرب غير الست.

وكنت قد نسيت ان سنتين قد مروا، تغيّر ابن عمي فيهما كثيرا،  وبناء على نصيحته استمعت لأم كلثوم، لم تعجبني في البداية، ولكني تذوقت أغانيها على مهل، بعد عدة أشهر قمت بزيارة له لأبلغه إعجابي بالست، وكنت أحفظ مقاطع من أغانيها استعدادا لأي أسئلة يطرحها علىّ، ولكنني فوجئت بأن ابن عمي وقد تغير شكلا ومضمونا، فقد خلع القميص والبنطلون والبنص، وارتدى بدلا منهم جلابية وصندل جلد. والشنب الذي سبقني إلى وجهه حفّه وأطلق لحيته، اقتربت منه أقدم رجلا وأأخر رجل، وعندما أبديت إعجابي ببعض أغانى أم كلثوم؛ أظهر ابن عمي امتعاضا تسرب إلى ملامحه سريعا وقال:

  • أم كلثوم ايه ونصب ايه. هوه فيه أحلى من كلام ربنا.

سجن ثلاث سنوات وخرج بعدها بلا لحية، ولا قناعات.

في هذه الفترة حاولت أن أرسخ  فكرة تبعيتي له ولكنني فشلت، كنت أقرب لمن تحرر من قيد كان يربطه بقوة، تركت ابن عمي ينعم في ملكوته الملئ بكل أنواع الروحانيات، بدأ من حفظ نصوص بعينها للسلف ومرورا بمظهره الذي أصبح يثير الشفقة، وليس انتهاء بعدم مقدرته أخذ القرار في أشياء بسيطة، وربما تافهة، لم أستطع مجاراته فيما حل به، ربما لعدم شجاعتي على خوض هذه الحياة التي لم تثيرني كما أثارته، ولم تبهرني كما أبهرته، ولكني برغم ذلك لم أسعى مطلقا لقطع علاقتي به، تذكرت دائما أنه كان في وقت ما يسبقني بخطوة، وأنني كنت دائما أحاول اللحاق به.

بعد ذلك بسنوات قليلة قرر ابن عمي ألا يخرج من بيته أبدا، ظل لمدة شهرين لا يقابل أحد، ولا يفتح باب بيته لأحد، وفي نهاية حبسه الاختياري دخل وتمدد على فراشه ونام، على فراشه سبقني بالخطوة الوحيدة التي لم أتمنى أن ألحقه فيها. مات

سؤال: ما الذي ذكرني بابن عمي؟

إجابة: بعض الزملاء من الكتاب يرون في تخطيهم سن الأربعين ونشر خمسة أو ستة أعمال قيمة، فيتعالون على السن الأصغر ويرون أنهم أصحاب حق أصيل يمارسون من خلالة سخافة الريادة، فليتذكر هؤلاء أنهم غالبا سيموتون قبل شباب الكتاب. فقليل من التواضع يرحمكم الله

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى