مقالات

لماذا نكتب؟

 

كتب: محمد إبراهيم

 

إجابة سؤال كهذا بديهية حد ألاّ يُطرح!.

نكتب لنحقق ذواتنا، نجني الشهرة فيعرفنا القاصِ و الدانِ ، نجمع من المال ما يمكنّنا من العيش في رغد، التفرغ لتحقيق الإبداع، تتحلق حولنا الجميلات، نكتب (عشان نبيع) مثلما يحلو للبعض أن يردد.

حسنًا، أنت تعرف كما أعرف أنني أكذب، فعندما أمسكت بالقلم في مرتي الأولى بغية (تخليق) قصة، عبر جمع شتات مجموعة قصص طفولية قام ذهني بتفكيكها و إعادة تركيبها من جديد، يومها كنت في سن السابعة، و يومها لم يكن أيًا من تلك الأهداف يداعب مُخيّلتي.

كنت أفكك الأحداث و أعيد ترتيبها و تخليقها بلا وعود براقة بجني المال.

عندما دلفت إلي نادي الأدب مرتي الأولى و سمحت لكهل بتمزيق دعائم قصتي كل ممزق (بحجة النقد) لم يكن بين الحضور فاتنة ما تهيم بما أكتب.

بل إنني و بعد نفاذ أربع طبعات من روايتي الأولي (في بلاط الخليفة) في فترة قياسية، أجلس في الصيدلية بالساعات فلا يمرّ علىّ من يعرفني طالبًا توقيعًا أو التقاط صورة.

و من ثَمّ، فمن البديهي و المنطقي أنني أكتب إرضاءً لشيطان إبداع يتلبسّني، لا يرضيه شىء!.

ربما أكتب لئلا أجن!، تلك العوالم الصاخبة القائمة في ساحات عقلي بثورتها و مجونها تحتاج لمسافة من الانطلاق عبر ورقة و قلم، شاشة و كيبورد، أو أيّة وسيلة تكفل لها التحقق و أن تنعم (بالوجود).

أكتب لأنني مغرور آخر. أوقن أن نتاج فكري يستحق أن يعمل عليه الجميع، بدءًا من الناشر وحتى عامل المكتبة، يعملون جميعًا بغيّة إيصال ما أكتب إلي قارئ ما، يستعذبه و يرتشفه قطرةً قطرة.

أعجب أشد العجب حين يسأل قارئ ما عن كيف يكتب؟!، أو كيف يتخيّر موضوع روايته الأولى؟، كيف ينتقي لفظة بعينها و يفضلها على ما سواها؟.

ليس هكذا تدار الأمور، الكتابة عمل شاق بالفعل. أقول ذلك لأنها الحقيقة و ليس لأنني أمارس فعل الكتابة!.

و لن أكون مبالغًا إن قلت بأن استنزاف الألفاظ و الشخوص و العوالم علي الورق هو ثاني أكثر الأعمال إرهاقًا في الكون.

الأكثر إرهاقا بالضرورة هو مراجعة ما كتبت و تفنيده.

و من ثم فإنك لا تتخير شيئًا على الاطلاق، ستختارك روايتك و من ثم تتدفق ألفاظك في مواضعها متى ارتآت أن الوقت قد حان.

أقولها ناصحًا، لا تُقدم على الكتابة ما لم يتلبسّك شيطان الإبداع، يطبق على رقبتك، يصرخ في أعماقك بأن تكتب، حينها لا مناص من مداعبة الحرف و استنطاق الكلم.

و إذا ما حضر الحرف فدللـّه و روّضه، ارتاد طرقه بشغف و لهفة و انهل منه ما استطعت إلي ذلك سبيلا.

ستثقل الفكرة رأسك و تدور (أنت) في جنبات الغرفة في نوبات سكر مجنون مقدس.

ستشرد و تشكل الحرف في ذهنك و من ثم ستقبض عليه كقابض على جمر.

سيلومون شرودك و يغفلون أنك يا مسكين تحمل ما لا يحمله أطلس!

و بأنك تفرّ جزعًا من استعصاء الحرف. فلا شىء أثقل من استعصاء الحرف يا صديقي. صدقني لا شيء.

و لكن بشرى، فإذا كان كتابة رواية هو العمل الأكثر جهدًا على الاطلاق؛ فإن إنجاز رواية هى المتعة الأحق بالاحتفال في هذه الدنيا!.

أكتب لأن الكتابة هى خلودي على صفحات الورق وفي عقول قرائّي.

أكتب لأني المختار لاختصار العالم كله بجنونه و عبثه و قوته و ضعفه بين دفتىّ كتاب.

أكتب لأن الكتابة حب، وجود، خلود، وحياة.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى