وشوشة

أمل طه تكتب: مارك توين … والجنة بعيون حواء

كتبت: أمـــل طه 

 

يتحدث مارك توين فى كتابه “يوميات آدم وحواء” عن اللحظات الأولى لالتقاء آدم بحواء، حالة الاكتشاف والتنافر والتجاذب ثم الألفة والحب والتماهي، تلك الحالة الأبدية التي نشأت منذ خلق آدم الأول وحواء الأولى ومستمرة  بين كل آدم وكل حواء إلى الآن، يحكي الكتاب حكاية المرأة  والرجل فى قالب ساخر لا يخلو من الفلسفة يبدأ بعرض الأحداث من وجهة نظر آدم على شكل يوميات تقابلها يوميات حواء  من وجهة نظرها لتكتمل الصورة.

يبدأ آدم يومياته من يوم الاثنين يوم التقى حواء، بأن حياته لم تعد سعيدة مع وجود ذلك الكائن طويل الشعر كثير الحركة والكلام، وتبدأ حواء يومياتها منذ أن خُلقت -يوم السبت- فهى ترى أنها تعيش تجربة مهمة فإن لم تكن بالضرورة تعيش هذه التجربة وحدها إلا أنها الجزء الأهم فيها فلابد إذًا أن تدون جميع تفاصيلها للتاريخ، وعلى عكس آدم الذى يتذمر من كل شئ وأى شئ تبدأ حواء فى تأمل الطبيعة الأشجار والنجوم والسماء وتبدى رأيها فى كل شئ وتجرب كل شئ مدفوعة بالشغف وحب المغامرة  “لابد أن نقاسى الشوك حتى نحصل على التجربة”  تلتقى حواء بآدم  فتعرف أنه رجل  فتكتشف أنه هو ذاته  التجربة.

تتحدث حواء فيكتب آدم: ” وبدأت تصدُرُ منه أصواتٌ تُشبه أصوات الحيوانات الأخُرى حينما تحس بالأسى… إنَّنِي أتمنَّى أَلا يتكلم هذا المخلوق، ولكنه لا يكفُّ عن الكلام”

يتحدث آدم فتكتب حواء: “وعندما اكتشفتُ أنَّ المخلوق يستطيعُ الكلام، أخذ اهتمامي به يزداد؛ لأني أحب الحديث، إنَّنِي أتحدثُ طولَ اليوم وأثناء نومي أيضًا، وكلامي شائق، ولكن إذا كان هناك مخلوقٌ آخر أتحدثُ إليه، فستزدادُ درجة اهتمام الغير بي، ولن أكفَّ عن الكلام.”

75181646

تسير اليوميات على هذه الوتيرة بين فتور آدم وشغف حواء الذى يدفعها إلى أن تأكل من الشجرة المحرمة لتحصل على المعرفة الكاملة، تأكل حواء التفاحة ويأتى الموت إلى العالم ويهرب آدم وتلحق به حواء وتحضر له التفاح فيأكل منه ويشاركها الخطيئة وكعادة حواء على مر الأزل، تقنع حواء أدم أنه هو السبب الحقيقى وراء خروجهم من الجنة وليس أكلها من الشجرة المحرمة فبسبب القسطل  – كناية عن نكاته السخيفة التى يلقيها ويضحك عليها- فيقتنع آدم أنه السبب ويشعر بالأسى .

يخرجان من الجنة لينشئا جنتهما الخاصة  فيكتب آدم:

“وبعد هذه السنوات أيقنتُ أنَّنِي كنتُ مُخطئًا في حقِّ حواءَ في بادئ الأمر، فخيرٌ لي أن أعيشَ خارج الجنَّةِ وهي بجانبي من أن أعيش في داخلها بدون حواء! كنتُ أعتقدُ في بادئ الأمر أنَّها تتحدثُ كثيرًا، ولكنني — الآن — لا بدَّ أن أحزن إذا سَكَتَ هذا الصوت واختفى من حياتي، مبارك  القسطل الذى قرَّبنا من بعضنا علَّمني كيف أقدر طيبةَ قلبها وحلاوة روحها”

وتكتب حواء:

“عندما تعودُ بي الذِّكرى أحسُّ أنَّ الجنة كانت حلمًا لذيذًا، حلمًا جميلاً ساحرًا، ولكن ضاعت الجنة منَّا، ولن أراها مرَّةً أخُرى. لقد فقدتُ الجنة ولكنَّنِي وجدته… هو! وإنِّي قانعةٌ بذلك، إنَّه يُحبني بكلِّ ما فيه من قوَّةٍ، وأحبه بقوة طبيعتي العاطفية، وهوشيء يتناسب مع شبابي وجنسي.”

بعد مرور أربعين عام من العمل والمعاناة والمد والجذر، يتنصل الحب فتكتب حواء أنها أحبت آدم حب للحب من دون أى أسباب، حب غير قابل للتفسير:

إنَّنِي أدعُ لله أن نخرُجَ من هذه الحياةِ معًا، وهي صلاة لن تغيب عن هذه الأرض، بل ستجد لها مكانًا في قلب كلِّ زوجةٍ تحبُّ زوجها وتُسمِّي نفسها باسمي حتى نهاية العالم! فإذا قُدِّرَ لأحدنا أن يترُكَ الحياة قبل الآخر، فإنَّنِي أرجو أن أكون أنا التي تمضي وتسبقه، فهو قويٌّ وأنا ضعيفة؛ ولذلك فإنَّنِي لستُ ضرورة له، في حين أنه ضرورة لي، إنَّ الحياة بدونه لا تُسمَّى حياة، فكيف أستطيع تحملها؟

يستجيب الله لدعاء حواء فتموت ويكتب آدم على قبرها: «أينما وُجِدَتْ حواءُ … وُجِدَت الجنَّةُ»

تنتهى اليوميات بالنتيجة التى توصل لها آدم أن حواء هى الجنة مُبرأ حواء من تهمة الخطيئة الأبدية.

عندما تقترب من سيرة مارك توين الذاتية تكتشف أن آدم هو توين نفسه وحواء هى ليفى لنغدون التى تزوجها عام 1870، تنتمى ليفى إلى عائلة أرستقراطية كبيرة فوالدها كان عالم فى مجال الصناعة والتجارة وأمها كانت ناشطة فى مجال العمل العام مما انعكس بشكل كبير على ليفى وعلى ثقافتها وشغفها بالحياة ودعمها لحب عمرها توين،  التقي توين بـ ليفى للمرة الأولى على متن باخرة فوقع فى حبها من النظرة الأولى، وحدث الزواج عاش ليفى ومارك حياة متقلبة ما بين شهرة ونجاح وفقدان الأبناء ثم أتت الضربة الأكثر قسوة لمارك توين بوفاة  ليفى متأثرة بمرضها عام 1904، فبدأ توين بالكتابة عن ليفى فى شكل يوميات حواء عام 1905 استكمالاً ليوميات أدم التى كتباها منفردة عام 1893، تسطيع أن تستنج من اليوميات أن توين كتب هذه اليوميات كعرفان بالجميل لزوجته ليفى التى منحته الحب والدعم، يظهر ذلك جليًا فى رسم توين لصورة حواء فظهرت حواء عذبة رقيقة لديها قلب كبير قادر على خلق المعجزات فهى تروض الوحوش الضارية وتستأنس النمور وتروض أدم نفسه فبعد أن كان كائن دائم التذمر والشكوى استطاع أن يرى العالم بعيون حواء.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى