مقالات

سمير قُنبر يكتب: الكتاب يحتاج إلى محرر أدبي

كتب: سمير قنبر 

 

المحرر الأدبي في دول الغرب يكون العين الفاحصة، والدالة المكملة لخروج العمل الأدبي في شكل مناسب ويطابق الأسس والأشكال البنائية السليمة..

بينما لدينا في مصر والوطن العربي العشرات من دور النشر الخاصة والحكومية ولا يوجد بإحداها محرر أدبي، فقط مديرًا للنشر، وهو الذي يجيز ظهور كتاب ورفض آخر تبعًا لأهوائه وقناعاته وخبرته وخلفيته في عالم القراءة، ولو افترضنا أن في دار نشر ما مدير نشر لم يكن على المستوى المطلوب من ناحية الإمكانيات النقدية فسينتج لنا أعمال روائية وقصصية بنفس مستواه، وهو في ذلك غير ظالم لأن مالك دار النشر هو من ولاه في ذلك الموقع الخطير، ونفس المالك يبحث عن الانتشار والمبيعات هذا أولاً، ثم القيمة ثانيًا، ثم التاريخ ثالثًا.

تجارب مخزية…

خروج آلاف الأعمال الروائية خلال السنوات المنصرمة، لم تكن على أي مستوى مقبول، وإنما مجرد جمل وسطور فيها سفاهة وضعف أكثر ما فيها من كلمات يمكن أن تُكتب وتُنشر ليقرأها أجيال تتطلع للمستقبل.

وللأسف أن السوق تقبل تلك الأعمال، وانتشرت نظرًا لأن الكم الهائل من الأشكال السينمائية والتلفزيونية والتي تحاوط عقول المراهقين والشباب أصبحت كذلك ومن هنا جاءت قناعتهم بما يقرأون..

إنما وإن كانت هناك وظيفة المحرر الأدبي والذي يتم اختياره بموجب مواصفات ومؤهلات وإمكانيات معينة، فسيتم إخراج نص أدبي ملائم، يثري الأدب والساحة الثقافية وعقول القراء..

ربما في عصر سابق لم يكن مطلوب تلك الوظيفة الخطيرة لأن من كانوا يكتبون، كانت لهم إمكانيات لغوية وأدبية ليست متوفرة الآن إلا في القليل ممن انتهجوا نهجهم وقرأوا لهم وتعلموا منهم..

المحرر الأدبي يملك مؤهلات أدبية.

المحرر الأدبي يملك مؤهلات لغوية.

المحرر الأدبي يملك مؤهلات سوقية.

المحرر الأدبي يملك مؤهلات تراثية ومجتمعية.

فيكون صميم عمله إخراج عمل أدبي فيه بصمة وشخصية الكاتب بشرط إثراء الأربعة أركان السابقة، والعمل على الإضافة لهم، فالكثير من النصوص تُرفض لأنها لم تضف لأي شيء شيء، أو بالبلدي كما يقال

سمير قنبر
سمير قنبر

” هري ” وتلك الكلمة؛ لّكم هي مَعبرة عن المضمون المقصود عندما يطلقها أحدهم على كلمات الآخر.. فالكثير من الإصدارات الأدبية خلال الأعوام السابقة، وصفت من قبل قراء بالهري أي أنها لم تضف إلى عقل القارئ أي شيء، لا فكرة، ولا معلومة، ولا حتى لغة، وان كانت اللغة إحدى أركان العمل الأدبي، وليست مقصد في حد ذاته فهي عامل أساسي وليست مقصد، فهناك أعمال أدبية صُدرت، وطُبعت، وخرجت للنور، لم يكن فيها جديد سوى لغة كتابتها.. وصاحب العقل هنا يصمت قليلاً.. ليفكر..

 

كيف يكون هذا الكاتب بتلك الحصافة اللغوية، ولم يزد إلى فكري شيئًا جديدًا؟؟

كيف يملك محور مهم وعامل أساسي في البناء الروائي أو القصصي، ويفتقد إلى الإبداع والتطوير وإنارة الأفكار عن ما هو منسي أو غير مدرك؟

هنا تأتي وظيفة المحرر الأدبي الذي يدرك انه أمام كاتب محترم لديه إمكانيات يمكن توظيفها بشكل رائع إذا ما تم توجيهه بشكل سليم، ولكن للأسف، وكما هو منتشر بين طبقة الكُتاب الشباب، فالكثير منهم لا يقبل حتى النقد من القارئ الذي من أجله كتب، فكيف إذًا كان سيقبل رأي المحرر الأدبي الذي سيكون دوره هو انجاحه في الأساس وليس شيء آخر؟

الأدب في العالم العربي يحتاج إلى محرر أدبي، محرر أدبي بمعنى الكلمة لا وصي، ولا مدير، ولا صاحب دار نشر، الأدب في الوطن العربي يحتاج إلى محرر أدبي يرغب في إثراء الأدب والتراث الإنساني والحياة الثقافية.

رغم أن ظاهرة “أدب الشباب” كما أطلق عليها تعد من وجهة نظري ظاهرة صحية جدًا، وهي اتجاه كل من شعر أنه قادر على كتابة رواية أو قصة إلى محاولة نشر كتاباته، فتلك الكثرة وجهت وأعادت الأعين نحو الكتاب، وتحديدًا نحو الرواية والقصة القصيرة، وللأسف لم يصبح الحكم الآن لمن يبقى ومن يرحل للجودة الأدبية، وإنما لمن انتشر ومن توارى كتابه واسمه في الظل، وهذا الانتشار هو الآخر له مقومات الآن أصبحت لها علاقة بسبل الترويج والدعاية دون النظر لجودة ما كُتِب، وإنما بحثًا عن المبيعات وفقط.

ومن هنا تلمع إصدارت، وتأفل أخرى تبعًا لنوع الدعاية الموجهة لها، وتبعًا لقوة وإمكانيات الدار التي نشرت الإصدار، ويحب أن لا ننسى العلاقات والمعارف وسبل التواصل بين المشاهير والمتحكمين بلعبة النشر والكتاب، فحتى المسابقات الثقافية -كبرت أو صغرت- المحلية منها والدولية، وكما نرى لم تخضع في طرائق تحكيمها على فكرة ومؤهلات المحرر الأدبي، وإنما على جمع مجموعة من الحكام من المشاهير ربما أو المغمورين، والذين يُحكِمون تبعًا لذائقتهم الأدبية الخاصة فقط دون إعمال أسس ومبادئ جودة متعارف عليها،  وعُرِف أن هناك روايات تكتب خصيصا لنيل جائزةٍ ما، ولا يعرف عنها القارئ شيء أو يسمع بها لأنها فازت بالجائزة، وحصل الكاتب على القيمة المادية منها فلا يهتم بعد ذلك بحجم انتشارها، لتأتي بعدها إحدى دور النشر وتتعاقد مع الكاتب على إعادة نشرها طمعًا في الربح المادي أيضًا، وليس الرقى بالثقافة، فقط تبرز شريط عريض على غلافها خُط عليه أن تلك الرواية فازت في المسابقة الثقافية الفلانية. وربما يقبل عليها القارئ، ويقتنيها، وتصبح جزء من مكتبته وإرثه،  بينما إصدرات أخرى، تعتبر منارات للفكر، تباع لصانعي الطعمية، لتصبح مخاريط ورقية.

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى