مشاركات أدبية

المعنى الشامل للتلاوة: كتاب «النبي الأمي القارئ»

تأليف: جمال السيد درة

 

المعنى الشامل للتلاوة

(جزء من كتاب النبي الأمي القارئ)

يصدر قريبا عن روافد

التلاوة لغة: هي أداءٌ لفظيٌّ وسلوكٌ عمليٌّ في اللغة.

التاء واللام والواو أصلٌ واحد، وهو الاتِّباع. يقال: تَلَوْتُه تُلُوًّا إذا تَبِعْتُه، وتَلَوْتُ الرجل أَتْلوهُ تُلُوًّا، إذا تَبِعْتَهُ. وتَتَلاَّهُ: تَتَبَّعَهُ. وتَتَالَتِ الأُمُورُ تَلاَ بَعْضُها بَعْضًا وأَتْلَيْتُه إِيّاه أتْبَعْتُه، وهذا تِلْوُ هَذَا أي تِبْعُه،  والتِّلْوُ، بالكسر: ما يَتْلُو الشيءَ، وكلُّ شيءٍ تَلاَ يتلُو شيئًا فهو تِلْوُه، يقال: ما زلت أَتْلوهُ حتى أَتْلَيْتُهُ؛ أي: سَبَقْتُه فَجَعَلْتُه خَلْفي يَتْلُوني، وأَتْلَيْتُ فلانًا على فلانٍ، أي: أَحَلْته. وأتْلَيْتُه إيَّاهُ أتْبَعْتُهُ. وتَتَلَّى الشَّيْءَ تَتَبَّعَه، وتَتَلَّيْتُ حَقِّي، إذا تَتَبَّعْتُهُ حتى استوفيته، وتلي تخلف، وتَوالِى الظُّعُنِ أَواخِرُها وتَوالِى الإبِلِ كذلكَ وتَوالِى النُّجُومِ أَواخِرُها.

معنى التلاوة اصطلاحا من القرآن الكريم:

ثانيا: من القرآن الكريم: ورد استعمال جذر تلو في القرآن أربعًا وستين مرة، ونسب فعل التلاوة في القرآن إلى الله والملائكة والشياطين والإنس مؤمنهم وكافرهم، واقترنت التلاوة بالكتاب والقرآن والآيات والأنباء.

وقد فسرت كتب الأشباه والنظائر التلاوة في القرآن على خمسة أوجه: القراءة “يتلون آيات الله”، “يتلون كتاب الله”، والاتباع: “والقمر إذا تلاها”، والإنزال: “نتلوا عليك من نبأ موسى”، والعمل: “حق تلاوته” والرواية: “مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ”.

أما كتب التفسير، ففسرت التلاوة أحيانًا بمعناها اللغوي فرادفت بينها وبين القراءة فـ: “التلاوة القراءة، وقالوا سميت بها؛ لأن الآيات أو الكلمات أو الحروف يتلو بعضها بعضًا في الذكر”، وفي بعض المواضع فسروها بما هو مجاز من التلاوة أو من لوازمها.

فمن الاستعمالات اللغوية بمعنى الاتباع قوله تعالى: “أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ” [هود: 17] أي: يتبعه، وكذلك قوله: “وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا” [الشمس:2]

ومن المعاني التي وردت: تلاوة الله آياته على الرسول”تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ” [البقرة: 205] أي: نقُصُّ عليك من أخبار المتقدمين.

وتلاوة الملائكة: أي يَقْرَءُون الوحي على أنبياء الله، أو يتلون ذكره  “فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا” [الصافات: 3].

وأما ما تتلوه الشياطين: “واتَّبَعوا ما تَتْلوا الشياطينُ على مُلْك سُلَيمان” [ البقرة: 101] فهو ما تُحَدِّثُ وتَقُصُّ، وقيل ما تتكلم به، أو أن المراد من التلاوة: الإخبار؛ لأن التلاوة حقيقة في الخبر، وقيل: “تتلوا”: تكذب على ملك سليمان، يقال: تلا عليه إذا كذب وتلا عنه، إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران.

حق تلاوته:

ورد تعبير حق تلاوته  في قوله تعالى” الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُوْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” [البقرة: 120]، وقد ذكروا في تفسير الآية أن التلاوة لها معنيان:

أحدهما:  القراءة.

الثاني:  الاتباع فعلاً؛ لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلاً، والظاهر كما يرى الرازي أنه يقع عليهما جميعًا، وتصح فيهما جميعًا المبالغة؛ لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع فلا يخل بشيء منه، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه، فيكون المعنى على الاتباع:  يعملون به حق عمله، وعلى القراءة:  أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما، أو أنهم خضعوا عند تلاوته وخشعوا إذا قرؤوا القرآن، أو أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، أو يَقْرَءُونه كما أنزل الله، ولا يحرفونه ولا يتأولونه على غير الحق، وأجمع الأقوال أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد، وهو تعظيمها، والانقياد لها لفظًا ومعنى؛ فهي تجمع بين مراعاة اللفظ والتدبر في المعنى والعمل بالمقتضى.

وأما تلاوة أهل الكتاب للتوراة “قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” [آل عمران: 93] فمعناها: تدرسون وتقرءون التوراة وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم، والدعوة إلى تلاوتها؛ لإقامة الحجة عليهم بما فيها.

والرسل يتلون آيات الله {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} [الزمر: 71] يعني: يَقْرَءُون عليكم، والرسول الخاتم يتلو الآيات والقرآن كذلك{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: 2]، ولم يكن يتلو من كتاب {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] فهو يتلو صحفًا: “رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً” [البينة: 2] وهي القرآن الذي أُمِر بتلاوته “وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْءَانَ فَمَنِ اِهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ اِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ” [النمل:92] وفسر الأمر به أن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئًا فشيئًا، تكرار الدعوة وتثبيتها في الإرشاد لكفايته في الهداية إلى طريق الرشاد، أو اتباعه فهي من التلاوة أو من التلوّ كقوله تعالى: “واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ” [يونس:109]، وذكر الألوسي أنه خلاف الظاهر.

هذا من حيث التالون أما المتلو فهو القرآن والكتاب يتلى: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 53] {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51] {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29].

وكذلك آيات الله تتلى {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} [آل عمران: 101] وقد فسرت الآيات بأنها القرآن.

وكذلك الأنباء تتلى، الله يتلوها {طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 1 – 2]، وقد فسرت تلاوة الله الأنباء بـ نقرأ عليك بقراءة جبريل، ونقصّ في هذا القرآن أو نوحي إليك، كما كلف الرسل بتلاوتها {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} [المائدة: 27]. وقد فسرت هنا أيضًا بالقراءة والخبر، وقد تضاف التلاوة إلى ما في مضمون الآيات من أحكام كالمحرمات{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد} [المائدة: 1]، أي: إلا محرّم مما يتلى عليكم من القرآن، من نحو قوله: “حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة” أو إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه.

إن كثيرا من اللغويين والمفسرين يرون التلاوة مرادفة القراءة، فسميت القراءة تلاوة؛ لأن الآيات أو الكلمات أو الحروف يتلو بعضها بعضا في الذكر.

والتلو: التبع، فالتِّلاوَةَ إِمَّا مُرادفٌة للقراءَة، وإما أن الأَصل في تَلا: تَبِعَ. ثم كَثُر في الاقتراء.

وقد لاحظ بعضهم فرقًا بسيطًا في الاستعمال وهو أن التلاوة لا تكون إلا لكلمتين فصاعدًا، والقراءة تكون لكلمة واحدة؛ يقال: قرأ فلان اسمه ولا يقال: تلا اسمه؛ وذلك؛ أن أصل التلاوة إتباع الشيء الشيء. يقال: تلاه إذا تبعه فتكون التلاوة في الكلمات يتبع بعضها بعضا، فإذا لم تكن الكلمة تتبع أختها لم تستعمل فيها التلاوة وتستعمل فيها القراءة؛ لأن القراءة اسم لجنس هذا الفعل، ولا تكون في الكلمة الواحدة إذ لا يصح فيه التلو.

وقد أشار الراغب الأصفهاني إلى اختصاص التلاوة بالكتب المنزلة قراءة لها أو عملاً بما فيها، بخلاف القراءة التي تشمل غير الكتب، وهي أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليست كل قراءة تلاوة.

إن القراءة من حيث هي أداء لفظي للآيات والنص القرآني هي تطبيق لأصل المعنى اللغوي للتلاوة وهو الإتباع والتتابع، ففي قراءة النص إتباع الألفاظ بعضها ببعض، هذا في إطاره الشكلي، أما في السياق العملي فهي الإتباع حقيقة وهو العمل بمقتضى النص ومعناه، وقد عبر عن هذا المعنى بالخصوص “حق التلاوة”، ذلك أن نتيجة التلاوة الحقة وصف الإيمان.

وقد لاحظنا  في معظم الآيات، التي ورد فيها لفظ التلاوة باشتقاقاته المختلفة فوجدنا أن السياق يدل على احتمال المعنيين وهو الأداء اللفظي وإتباعه بالعمل، وإذا أدركنا هذين المعنيين للتلاوة نستنتج من ذلك أن وعي المعنى ركن هام من أركان التلاوة، هذا إذا قصرنا القراءة على الأداء اللفظي، أما إذا لاحظنا القراءة باعتبارها منهجًا، فإنَّها تتضمن الوعي بالمعنى، فتكون التلاوة مرحلة أعمق من القراءة إذ هي ترجمة للقراءة في السلوك والتطبيق.

وعليه فلا ترادف بين القراءة والتلاوة، إنما ارتقاء في درجات التعامل مع النص، وفي معنى التتابع تأكيد لضرورة إدراك الروابط بين أجزاء النص واكتشاف المعنى، وبالتالي تحقيق معنى النص؛ فالتلاوة لا تكون إلا لنص، ومن ثم ترجمة معناه باتباعه.

في اختيار هذا اللفظ للتعبير عن التعامل مع النص ملحظ مهم وهو: إن القرآن إنما أنزل ليتبع واتباعه يقتضي قراءته قراءة منهجية تكتشف نظامه، بعد قراءة ألفاظه، ومن ثم متابعة هذه القراءة وترجمته إلى سلوك وتطبيق

والآية التي وضحت قضية الربط بين القراءة والتلاوة وبينت الفرق بينهما: هي قول الله تعالى {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [هود: 17]

نفهم من الآية البليغة، أنها تخبرنا عن من كان على بينة من ربه، فهي قانون عام لأي إنسان كان على بينة من ربه، وليس محمد r فقط، لأن المخاطب هو رسول الله، إذا فما هي البينة؟

البينة هي التي بينها الله تعالي في بعض مواضع من كتابه:

١-  البينة من الله

٢- هذه البينة تحتاج الي شهادة عند تلاوتها والشاهد هو القرآن وكتاب موسي من قبله.

3 – ومن يكفر به من الآحزاب فالنار موعده

4- فلا تكن في مرية منه

قبل توضيح ما هي البينة ونستعرض ما جاء في الآية البليغة، نؤكد على خطأ الربط بين القراءة والتلاوة، ففي هذه الآية، يقول الله تعالى يتلوه شاهد منه، فإذا قلنا التلاوة تعني القراءة فيكون المعنى ويقرؤه شاهد منه، فإن القراءة لا تحتاج شهادة بخلاف التلاوة.

ولمعرفة معنى البينة نتبع الآيات التالية:

قول الله تعالى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } [البينة: 1]

وقال تعالى {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 4]

وقال تعالى {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]

وقال تعالى { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 14]

ندرك يقينا ان معنى البينة في الآيات الثلاث متطابق وهو ما أنزل على محمد r  وهو القرآن.

في سورة الفرقان: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا” [الفرقان: 4- 6] ما جاء به الرسول هل هو جديد على المشركين؟

كلا، مسألة التوحيد وبعض القضايا الغيبية موجودة في أساطير الأولين، لكن الكفار كفروا بالتنزيل، وعندهم أن الرسول افترى النبوة ونسب القرآن إلى الله، فهو في زعمهم أساطير الأولين اكتتبها الرسول وأملا عليه.

وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44]

قال ابن مسعود:”كان الرجل منا إذا تعلَّم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن” وقال أيضًا: “والذي لا إله غيره، ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته”.

قال ابن تيمية: قال تعالى: “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس”

ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئًا،  والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره الله، وبين ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وقال: “ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به”.

وقال أبو ذر:  لقد توفي رسول الله r وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا.

فإذا تبين هذا فقد صح ووجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله تعالى من أسماء وصفاته مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان الذي رضى الله عنهم ورضوا عنه؛ فإن هؤلاء الذين تلقوا عنه القرآن والسنة وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل؛ كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: لقد حدثنا الذين كانوا يقرؤننا القرآن كعثمان بن عفان وغيره أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي r عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا.

فأصبح من المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات.

ومن المعلوم أن رغبة الرسول r في تعرفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود، إذًا اللفظ إنما يراد للمعنى.

 التلاوة

يؤكد السعدي المعنى السابق للتلاوة، وهذا الفرق حين يفسر قول الله تعالى: “اتل ما أوحي إليك من الكتاب” قال: ومعنى تلاوته: اتباعه، وامتثال ما أمر به، واجتناب ما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فصارت تلاوة لفظه جزء المعنى وبعضه، وغدا هذا معنى تلاوة الكتاب، علم أن إقامة الدين كله داخلة في تلاوة الكتاب.

إذًا: معنى التلاوة عند السعدي هو الشرح والبيان والتوضيح..

تفسير الآيات التي ذكرت فيها التلاوة حسب المفهوم الصحيح:

فقوله تعالى:”تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين”[البقرة: 252] “وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ” [النمل: 92] هنا ربط الله تعالى بين الهداية والتلاوة، فالهداية لا تكون بالسماع ولكن الهداية تكون بالمحاورة والشرح والإفهام والتوضيح والمعرفة و وضوح الطريق.

ويتلو:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[البقرة: 129]

وابعث فيهم رسولا منهم يتلو: لا ينبغي أن يفهم منها أن وظيفته القراءة فقط، ولكن المفهوم الصحيح الذي يتسق مع دلالات القرآنية هو أن وظيفته أسمى من القراءة بل هي الشرح والتوضيح والافهام.

“كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ” [البقرة:151]

“هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ”  [ الجمعة: 2]

{رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا } [الطلاق: 11]

{رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَة} [البينة: 2]

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [القصص: 59]

{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164]

يتلون:
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 113]

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121]

{ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113]

يتلوه:
{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [هود: 17]

تُتلى:
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا}[الحج: 72]

يتلون:

{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29] {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} [الزمر: 71]

واتل:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ } [المائدة: 27]

فالمعنى الصحيح للتلاوة هو:

شرح معاني الكلمات المقروءة وإيضاح مقاصدها وإبراز لطائفها وإذا كانت الكلمات من القرآن يضاف إليها تبيين مراد الله وهذه وظيفة النبي r.

وإذا علمنا أن المعنى الصحيح للتلاوة هو الشرح والبيان والإفهام، فاعلم أن معنى الآيات التي ذكرت فيها كلمة “التلاوة” وجميع اشتقاقاتها هي:

“تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق” أي تللك آيات الله نشرحها لك ونوضحها لك بالصدق.

“وأن أتلو القرآن” أي: أشرح للناس القرآن المنزل من عند الله بحيث يفهموا مقاصده ومعانيه.

“ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة” أي اجعل منهم رسولا يشرح لهم آياتك البينات ويفهمهم مقاصد الآيات.

“رسولٌ من الله يتلو صحفا مطهرة” رسول من عند الله يشرح للناس الصحف التي أنزلت وكانوا لا يفهمون مراد الله فيها فيأتي هذا الرسول ويوضحها لهم.

وهذا المعنى الصحيح الذي نقره هنا، يتضح جليا في قول الله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ)

بمعنى أن هذين الفريقين يتلون التوراة والإنجيل ويفهمون معانيها ويعلمون مقاصدها ويَعُونَ مراد الله فيها، ومع ذلك فإنهم يتهم بعضهم بعضًا بأبشع التهم.

أما إذا كان معنى يتلون: يَقْرَءُون الكتاب، فلا يتأتى المعنى المطلوب من الآية، وهو الاستغراب من شأن هؤلاء الناس، لأن التلميذ في المرحلة الابتدائية يقرأ القرآن ولكن لا يفهم معناه، ويقرأ ما كتب معلمه على السبورة إلا أنه لا يفقه ما يقول، فإذا علمنا هذا الفرق نعلم يقينًا أن التلاوة ليست القراءة.

وأما قول الله تعالى “الذين ءاتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته” ليس المراد بـ: يتلونه أي يَقْرَءُونه بأدلة منها:

إن الله تعالى لما أراد أن يأمرنا أن نقرأ القرءان قراءة صحيحة قال “ورتل القرآن ترتيلا” ولم يقل واتل القرآن تلاوة.

هناك من يَقْرَءُون القرآن أو التوراة أو الإنجيل قراءة صحيحة ولا يؤمنون بها ولا يصدقون بأقوالها ولا يمتثلون بأوامرها ولا ينزجرون عن نواهيها.

وإذا فسرنا يتلونه بـ: يَقْرَءُونه فإننا نُدخِل في دائرة المؤمنين من ليس منهم ونخرج من هو فيهم؛ لأن من المؤمنين من لا يقرأ أصلا حتى إذا قرئ عليه القرآن لا يفهم معانيه -لا سيما من الأعاجم-، ومع ذلك فإنهم يؤمنون به إيمانا جازما.

وعلى ما سبق فالتلاوة أعم وأشمل من القراءة؛ لأن التالي لا بد أن يكون فاهما ما يتلوه، بخلاف القارئ، فليس لزاما عليه أن يكون ملما بما يقرأه للسامعين، فيكفيه أن يردد مما هو محفوظ، وما أخذه بالتلقين، فيؤدي مهمته في هذا المجال وهو نفسه يحتاج من يتلو عليه؛ ولذلك يقال لمن يقرأ القرآن في الولائم: القارئ.

قد استخدم القرآن نفسه هذا الأسلوب في العرض، قال تعالى ( ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ)

وقال تعالى (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ )

وقال (ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ)

وقال “(ﮭ ﮮ)

وقال (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ)

وأقوى الأدلة التي تفرق بين التلاوة والقراءة أول آية نزلت في القرءان الكريم هي “اقرأ باسم ربك الذي خلق” فإن النبي r لم يكن يعرف ما جاء به أمين الوحي جبريل عليه السلام فلا يصح أن يقال له اتل لأن التلاوة تحتاج البيان والشرح والتوضيح كما قلنا؛ لذلك عدل عنها فقال: اقرأ؛ لأن القراءة لا تحتاج أن يكون القارئ عارفا بتفاصيل ما يقرؤه.

ولقد فهم بعض المحققين من التابعين أن التلاوة ليست معنى القراءة، فها هو الحسن البصري يقول: وقيل: يقرءونه حق قراءته.

قلت: وهذا فيه بُعد:

وقال الحسن: هم الذين يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى