قصةمشاركات أدبية

رقصة الغجریة

قصة:  عباس الزين

 

مؤلم جدًا أن تحتضن شخصًا كان يعني لک كل شىء .. فقط لتشعر ببرودة جسده بين ذراعيك .. وانسلاله من بين يديك.. ..

… أمام الجثمان المسجى داخل الكهف الغجري الصغير المضاء بعشرات الشموع … وقفت مانويلًا .. انحنت وفكت منديلًا أبيض مضمخًا بدمائه كان يربطه حول رقبته … ثم لفت شعرها الأحمر المموج الطويل بيدها وعقدت حوله المنديل..كان الجو في الكهف خانقًا … ينبض بالرطوبة ورائحة نفاذة.. ..

في الزاوية رأت جدها .. يمسك غيتاره القديم .. ابتسم لها وأومأ برأسه ..كانت هي أشارة البدء التي اتفقا عليها منذ طفولتها .. عندما تشابكت خطوات مشيها الأولى بخطوات الفلامنکو فلم تعد تستطيع أن تفرق بينهما .. فباتت إلى الآن تمشي قاقزة وخصرها يتمايل.. ..

أحنت رأسها .. ورفعت يديها .. و صوت الغناء في أذنيها .. كانت مقطوعة لم تسمع جدها يتغنى بها إلا مرة واحدة ..عندما كانت في السادسة .. مرت سيارة فارهة على جسدي أبيها وأمها .. لا لسبب إلا لأنهما كانا يتجنبان قارعة الطريق الموحلة وهما عائدان إليها ليلًا تحت مطر غرناطة الغزير ورياحها القاسية .. يومها أمسك جدها بيديها الصغيرتين .. وأقسم لها أنه سيهتم بها إلى الأبد ..

مرثية على إيقاع “تارانتا”

Carretera , carretera ,

Llevame por caria

A las minas del Romero

Que acaban de asesinar

Al hermanico que mas quiero

“الرحمة , أيها الطريق

أرني السبيل

إلى مناجم روميرو

فقد قتلوا للتو

أخي الذي أحبه كثيرًا”

موسيقى حزينة .. جنائزية .. مؤلمة

تمايلت على وقع الايقاع ..

حركتها بطيئة .. ثقيلة .. كأفعى تنسل من بين الصخور في ظهيرة يوم قائظ ..قدماها استشعرتا بقية جسدها .. جاهدتا لتتحركا تماشيا مع بقيتها .. وما لبثت أن سمعت صوت حذائها يطرق الارض .. تصاعد الغبار

بدأ أحدهم يصفق ..

بطرف عينها لمحته .. هو نفسه .. هذا الملقى أمامها .. يقف قرب جدها .. يرافق الايقاع براحتيه .. نظرته هي هي .. وابتسامته الساخرة التي لم تفارق شفتيه حتى عندما عانق الموت .. لمرة واحدة , وأخيرة

جدها ..سهر عليها يرعاها .. عيناه انطفأتا وجسده وهن .. لكنه لم يتوقف عن العزف يوما .. يجمع النقود ليدفع قسط مدرستها

مات والغيتار بين يديه .. دفنتهما سويا

كرهته فهو لم يوف بوعده

توقفت عن الرقص وانتقلت الى قلب المدينة لتعمل في مبنى زجاجي كان لها بمثابة السجن إلى أن التقت باكو منذ سنتين .. فكان لها كل شىء : صديقها .. عشيقها .. زوجها .

عادا إلى التلال من جديد , ورجعت لها روحها المسلوبة مع الرقص ..

التفت حول نفسها .. مرة .. مرتين .. خمس مرات .. عشرة .

. وركاها انسكبا كنبيذ ينساب من زجاجة.

قدماها تطرقان بسرعة وجنون .. صوت يشبه الطلقات التي مزقت جسد باكو ..

الدون أرادها له .. لاحقها .. لهث وراءها .. ركع امامها يرجوها .. رمى نقودا تحت قدميها

زوجها .. ثار لكرامتهما .. الغجر لا يساومون في الحب والحرب ..

قتله الدون غدرا وأرسل جثته إليها .. مع رسالة : أنت من اليوم لي

اختلط العرق … بالدموع

انفصلت عن جسدها

حلقت عاليًا , في سماء لا تشبه سماءنا .. زرقتها فيروزية ..وأطيافها امتزج فيها الوردي بالبنفسجي .

رأت العذراء ..نقية .. مبتسمة .. تنظر اليها من فوق عرشها ..

تذكرت أغنية ترنم بها باكو يوم راها لاول مرة

“ايقاع فاندانغوس”

Yo como tu no encuentro ninguna

Mujer , con quien comparante ,

Solo he visto , por fortuna ,

A una en un estandarte

Y a los pies lleva la luna

لم أجد أحدا”

لاقارنه بك , يا امرأة

فقط واحدة , رأيتها لحسن حظي

على راية كنيسة

“والقمر عند قدميها

اقتربت من السيدة الجميلة .. ارتمت في حضنها .. انتحبت .. خنقتها العبرات .. مسدت لها العذراء شعرها .. رفعت رأسها إليها بلطف .. لم تنبس بحرف .. فقط نفخت على وجهها .. أحست ببرودة نسيم الجنة .. بكت أكثر .. امتنانا وفرحا هذه المرة ..

توقف صوت الغناء بغتة .. انطفأت الشموع .. حل الظلام مكان الموسيقى .. انهارت على الارض .. ثوب حدادها الاسود بات مزقا على جسدها .. خلعته ورمته في حلقة النار التي تتقد خارج الكهف ..

تململت على الارض طويلا .. أنفاسها بطيئة , عميقة , جسدها مبلل .. من جذور شعرها الى أخمص قدميها ..

غامت عيناها في العتمة ..

فجأة رأت ما كان يجب أن تراه منذ البداية .. نصل حاد يلمع .. كان باكو يرقص بالخنجر أمام السياح .. يضعه في فمه ويعض عليه .. يثيرهم ويخيفهم في نفس الوقت .. والنساء يقعن في غرامه وان للحظات

التفاتة أخيرة منها الى تلك الزاوية المتربة

ما زالا هناك , يبتسمان لها

انتقت أجمل فستان لديها .. أحمر قان بلون الشهوة .. طلت شفتيها وأظافرها “القططية” بنفس اللون

الدون سيراها كأجمل ما تكون ..

وضعت خنجر باكو في صدرها .. وخرجت الى الليل المفتوح

الليلة .. ستجلس بجانب العذراء

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى