وشوشة

محروس أحمد يكتب: «تغريدة البجعة» عندما يدفعك كل ما حولك للجنون!

كتب: محروس أحمد

 

“تنويعات على حالة شيزوفرينيا اتهمني بها الطبيب،الشيزوفرينيا بدأت في مجتمعي أيها الطبيب،أنا مجرد عرض لها”. هكذا يصف “مكاوي سعيد” المجتمع المصري في روايته الثانية بعد “فئران السفينة”الحاصلة علي جائزة سعاد الصباح بالإضافة لسبع مجموعات قصصية، عن طريق وصف أدق التفاصيل حوّل الراوي الكلمات المكتوبة لصورة مرئية وصوت مسموع ،ومع استخدام ” الفلاش باك ” استطاع وبمهارة المقارنة بين الحاضر والماضي ليكشف التحولات البشرية والمجتمعية في المجتمع المصري في سنوات ما قبل الثورة.

اعتمد الكاتب على السرد-المسترسل في غير ملل-اعتماداً شبه كلي، فالحوار كان قليلاً جداً ومقتَصد يتأرجح بين العامية والفصحى ومعظمه داخلي كما أن تشبيهاته مبتكرة مثل: “حملق في وجهي بسمات العالم المُفكر حين تباغته مذيعة التليفزيون بسؤال عن توبة الفنانات”. تبدأ الرواية ب “مصطفي” الكاتب المصري وعشيقته “مارشا” المُخرجة الأمريكية وهما يُعدان فيلماً عن

محروس أحمد
محروس أحمد

أطفال الشوارع، ليصدمنا الراوي بهذا العالم الموحش بدءاً من سكنهم في الشوارع والبيوت المهجورة وصولاً لإدمانهم”الكُلة” نهاية برد فعلهم القاسي تجاه ظلم المجتمع متمثلاً في السرقة والاعتداء والضرب والاغتصاب أو حتى العنف الذي يوجهونه ضد أنفسهم ، وبدلاً من أن تساعدهم الدولة تحرص على بقاؤهم على هذا الحال لتستخدمهم في التحرش بالمتظاهرين، مصطفي بطل الرواية الرئيسي والذي نرى كل أحداثها من خلاله شخصية شديدة الحساسية عندما تتكالب عليه النوائب يتدثر بشرنقة من الأدوية النفسية و السُكر ومغيبات الوعي ويلزم صومعته وكأنه متورطاً في الحياة مرغماً عليها، ولكن هناك من الأحداث ما يعصف به ويجبره علي التفاعل مثل اعتصامه وتظاهره احتجاجاً علي حادث مسرح بني سويف : “عدت فاعلاً لأول مرة منذ سنوات دفاعاً عن مثقفينا الذين أحبوا المسرح وذهبوا إلي هناك ليقيموا المسرح الجديد و يختاروا فنانين جدداً ويسهموا في التنوير لقاء ملاليم ،ذهبوا فقط –كما كانوا دائماً-لأن المسرح هواهم وعشقهم الأول والأخير واختصر وزير الثقافة المسألة بقوله إن مخرج العرض هو سبب الكارثة ، دمت لنا أيها الوزير”.

ثم فتح الكاتب الصورة على اتساعها ليدلّل بمنطقة وسط البلد مع تناقضاتها علي ازدواجية المجتمع ويؤكد دليله ببعض الشخصيات مثل ” أحمد الحلو” الذي بدأ حياته كمناضل ماركسي حتى وصل لأصولي متعصب و”هبه” العاهرة المُنتقبة التي تُصلي بعد إنهاء عملها وتؤكد أنها لا تفعلها مع المسيحيين لأنه حرام! الاعتماد على الرمزية آداة استخدمها الكاتب بإحكام فكما رمَز للغزو الوهابي بتغيير أسماء الشوارع: “من خوفو إلي خاتم المرسلين ومن توت غنخ آمون إلي المساعي الحميدة” رمز أيضاً للقهر الواقع علي شعب بأكمله بأطفال الشوارع و للهيمنة الأمريكية بإنتشار الأجانب في وسط البلد . مكاوي سعيد في “تغريدة البجعة” وضع يده وبقسوة على الجراح النازفة ليُخرج لنا تلك التحفة المُدهشة ويجعلنا –وبلهفة- ننتظر منه المزيد.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى