أخبار

جمهورية ثقافية موازية فى أقاصى الصعيد،اسمها «قوص بلدنا»

تقرير: ياسين أحمد سعيد 

 

ياسين أحمد سعيد
ياسين أحمد سعيد

2014/2015 هى فترة جد مختلفة بالنسبة لى.

لأول مرة أحضر ورشة لإدارة المبادرات الثقافية، وألتقى هذا العدد من ممثليها، بالطبع كنت أتابع هذا العالم عن بُعد، لكن أن تسمع، أمر مختلف تمامًا عن أن ترى.

جميعهم ينبض بروح الشباب.
كل واحد منهم قصة ورواية فى حد ذاته، منهم شابة صعيدية قالت أنها –مع فريقها- يجرون فى اقليمهم صالون ثقافى، ورشة للروبوت، حملات نظافة، توعية صحية، منافسات رياضية، نادى للموهوبين يحمل اسم (بكرة)، ورشة لتعليم الكتابة، حاضرت فيها الأدبية الكبيرة (سحر الموجى) شخصيًا.

الزميلة اسمها: (فرحة حماد).
ظل صدى كلمات (فرحة) عالقًا فى ذهنى، الكاتبة (سحر الموجى)، و(ورشة روبوت) فى الصعيد؟!

واضح أننى كأهل الكهف، نمت كثيرًا، محتفظًا على ظنى أنه يومًا أو بعض يوم، وبمرور الوقت، استحالت دهشتى إلى نبتة، والنبتة إلى فكرة.

لماذا لا يوجد أطلس أو دليل لهذه المبادرات الرائعة؟

بدأت أحفز ذوى الصلة بالموضوع ممن أعرفهم،  لأن هذا يحتاج لمجهود مسحى جماعى، لا فردى، وعندما فقدت الأمل فى استجابة، قلت أنه: ليس هناك من بد، سأجتهد فى فعل ما يمكن فعله حيال هذا الملف، وستجدونه بإذن الله على صفحات البوابة هنا.

من أين أبدأ؟

لم احتر كثيرًا أمام علامة الاستفهام السابقة، قررت أن أبدأ من الفريق الذى يصنع الفرحة مع (فرحة).

فقط، اسمحوا لى بتتغير فى المشهد، سنتراجع بالكاميرا ZOOM OUT بلغة أهل السينما، ونخرج من القاعة السابقة للورشة، فالطابق، فالفندق الرابض على مشارف نيل (أسوان).

بعد قطع مسافة أربع ساعات بالقطار شمالًا، نبلغ مركز (قوص) بقنا، ثلاث ساعات ونصف هى الوقت الحقيقى، لكن لا قطار يصل بموعده كما نعرف.

يقع مركز قوص 650 كيلو تقريبًا جنوب القاهرة، فور أن يتوقف بك القطار بالمحطة، وتترجل قليلًا، يمكنك أن تميز الوجوه السمراء الطيبة، وتذوب بسهولة فى مشاكل الشارع الصعيد، الذى ينسى الأكثرية عنوانه.

لكن احترس، قبل كل ذلك، ستزكم أنفك سحابة رائحة خانقة، فلا تذهب بك الظنون، هذه هى  رائحة مخلفات تعفن القصب، والتى تستخدم فى صناعة (الورق)، تحمل قليلًا لدقائق، وراعى أن كل من حولك مضطرون للتعايش معها لبقية حياتهم.

على ذكر مصنع الورق، نعم تذكرت الحكومة أن تبنى واحد، أما صناعة الثقافة فحالها كما نرى جميعًا.

أدرك الشباب فى قوص هذه الحقيقة، فكتبوا شهادة ميلاد جديدة بتاريخ يونيه 2010م، هذا هو تاريخ إنشاء جميعة (قوص بلدنا).

أحمد عمر، أحمد على حجاج، محمد مراد، محمد سيد، محمود أحمد عاطف.

هذه هى الأسماء التى احتلت خانة (الآباء المؤسسين) للمشروع.

حاورت أولهم بحثًا عن فجر الفكرة، كيف بزغ؟

واستمعت إلى صوته، يسترسل فى التفاصيل.

الاسم: أحمد عمر حمادة، طالب بالفرقة الخامسة كلية طب قنا.

فى البداية، حلموا بمدينة (قوص) نظيفة، فاتجهوا إلى تنظيم حملات فى هذا الشأن.

ملحوظة بين قوسين، عمال مجلس المدينة يتقاضون يومية تصل لـ (9 ج)، بحمد الله طالها زيادة مسرفة بصراحة، فصارت حاليًا إلى (12 ج).

طبيعى والحال هكذا ألا تجد المبادرة ترحيب من عمال النظافة، الشعار دائمًا (العمل على قدر فلوسهم)، وبغض النظر عن مشروعية ذلك عند مقارنته بالـ (9 ج)، لم يكن ذلك نهاية المتاعب،

الأهالى استمروا على دأبهم بالقاء القمامة، ويطلبون منهم أن يقوموا بعملهم، ويكملوا التظيف، ظنًا منهم أن الشباب تابعين لمجلس المدينة.

أما عن المجلس نفسه، فكان هناك تقاعس فى توفير المعدات لهم، الشئ الوحيد الذى أبدوا فيه استجابة، هو محاولة استقطابهم للعمل تحت مظلة الحزب الوطنى، تحديدًا مشروع (مصر أحلى بشبابها) لو يذكره أحدكم.

رفض الفريق الشاب، فقد كانوا أذكياء بوضع قاعدة أساسية باكرة، تنص على:
– لا سياسة، لا توجهات دينية أو عرقية.

النقطة الأخيرة لا تقل خطورة، لنتذكر أننا فى الصعيد، أى أن هناك جهدًا جهيدًا تم بذله، أثمر أخيرًا عن كيان لا يسأل أحد أفراده الآخر: من أى عائلة أنت؟

يضيف أحمد عمر:

  • انتبهنا إلى أن نظافة الطرقات، تحتاج إلى عمل موازى فى نظافة العقول، من خلال عمل ثقافى مكثف.

حملة النظافة كانت فى يوليو 2010، وفى أغسطس من نفس العام، بدأنا أول صالون ثقافى للجمعية.

أمسية لطيفة بمقهى (مطاحن مصر العليا) التى تقع بجوار مقر الشركة على النيل.
فترة أخرى، وظهر شخصية تدين لها (قوص بلدنا) بالكثير، وجعلت فاعليات الصالون تنتقل إلى حضن قصر ثقافة (قوص).

اسمه (أنور جمال)، يعمل مديرًا لقصر الثقافة، وحاصل على جائزة أحسن موظف فى إقليم جنوب الصعيد بالوزارة، يقول رجالات (قوص بلدنا):
– عندما تتأخر الفاعليات، ويرغب الأمن والإداريين بالانصراف، يبقى هو كى يؤمن لنا راحتنا فى الوقت الذى نرغبه.

تبنى مدير القصر أنشطة الجمعية بكل محبة، وأحاطهم بدعم معنوى لا حدود له، مما جعلنى سؤال منطقى يطرأ على عقلى:

  • وماذا لو تم تغيير القيادات فى القصر، وجاء صف ثان لا يرحب بكم، ألا ترى أن هذا سيهدد نشاط المبادرة بالتوقف؟

جاءنى الرد أن هذا الاحتمال مطروح بقوة، خصوصًا مع شعورهم أن هذا بنفس الترحيب مع كل الكوادر فى القصر.

وبعد أن وجهت المزيد من علامات الاستفهام حول هذه النقطة، وضح د.أحمد:

  • الموظف عندما يعتاد على اللاعمل، يؤرقه إذا تواجد بجواره حراك ما، يفترضوا أن الغرض من وجودنا هو إشعارهم بالتقصير، وهذا حال العديد من العاملين هناك.

بالتالى، سعت (قوص بلدنا) لاختلاق بديل، هذا البديل تمثل فى الشاعر والمسرحى والفنان (مراد محمد حسن) عضو مجلس إدارة (الجمعية الخيرية الإسلامية)، ساعدت الخلفية الأدبية لمراد حسن على تفهمه لمساعى الفريق، فتم عقد شراكة بين الجمعية الخيرية وقوص بلدنا، وبموجبه صارت مكتبة الأولى تحت تصرف الثانية، وهناك مخطط طموح ليكون نواة مركز ثقافى شامل.

سألت (أحمد عمر) عن أبرز الصعوبات فى مشوارهم، فأجاب:
– أبرزها فى فترة ما بعد الثورة، كان لى قريب له صلة بالداخلية، وأبلغنى أن عيونهم علينا.

مدير قصر الثقافة، قال أن هناك تحذيرات تصله بنفس المعنى، امتد بعضها إلى التهديد بأن تعاونه معنا قد يضره فى وظيفته.

لم أفهم أى ضرر كنا نسببه بالضبط، خصوصًا أننا كنا واضحين من البداية، بأننا لا نحمل أى انتماء سياسى.

صدام آخر مع البيروقراطية الحكومية، حدث عندما أنشات الجمعية برنامج الموهوبين الصغار، حمل اسم (بكرة)، وبدأت بناء قاعدة له من أطفال المدارس، فى البدء دخلوها بشكل ودى، ثم أرادوا تعزيز وجودهم بشكل رسمى، فذهبوا إلى وكيل وزارة التربية والتعليم بقنا، فزع المسئول، قال أن هذا أمر لا يصح إلا بتأشيرة من الوزير نفسه، كيف يا افندم، يفترض أن حضرتك وكيل الوزارة عن المحافظة ككل!

نهايته.

حتى الآن، برنامج (بكرة) مستمر بشكل ودى!

تحدث أحمد عن فترة حرجة أخرى، مخاطرها داخلية هذه المرة، وهى الفترة التى فرغت فيها الجمعية من الكوادر، الشباب يسافرون للعمل أو للتجنيد، الشابات يتزوجن، كل ذلك نتج عنه مرحلة انتقالية شديدة الصعوبة، حتى تم رتق الفراغ مرة أخرى.

فى (قوص بلدنا) يصل الأمر حاليًا، لأن تجد شباب فى الاعدادية والثانوية يديرون بعض الفاعليات.

لم ألبث أن انتبهت لنقطة، فسألت المنسق العام السابق:

  • ألست المؤسس، فماذا عنك الآن، كيف ومتى تركت المنصب بالضبط؟
  • تنحيت مثل (مبارك).

هكذا أجاب صاحكًا، قبل أن يضاف بجدية:

  • أهم أسباب استمرار (قوص بلدنا) هى التقويم، فالتقويم، فالتقويم المستمر.

وشرح أنه ترك مكانه بعد انتهاء مدته، وتنحى ليفسح المجال لانتخابات حرة، أفرزت كوادر أخرى لا تقل كفاءة، ويقف بجوارهم حاليًا من خلال دور استشارى، استشارى لا تنفيذى.

يتكون هيكل (قوص بلدنا) حاليًا من (منسق عام) هو (علاء جمال)، ويتفرع الهيكل الوظيفي إلى عدة لجان، بعضها فنى مثل (الثقافية)، (العلمية)، (الميدانية)، وآخر إداري، مثل  (المالية) (الاعلام) ، (التدريب)، (الموارد البشرية).

ولى كياسين وقفة عند هذه النطقة!

فى المبادرات الثقافية الأخرى، تتمسك كل منها بتخصص معين، وتستحق أن يتم اعتبارها كفت ووفت عند هذا الحد، أم عن (قوص بلدنا) فاحد عناصر الإبهار بها، هى كمية التنوع تلك فى أنشطتها، ذكرناها بالتفصيل أعلاه.

فى تاريخ 7 سبتمبر 2014.

جلس وزير الثقافة السابق (جابر عصفور) ومن حوله ممثلي روافد ثقافية خصبة، ومبادرات واعدة قدمت من كل زوايا مصر الأربع، لكن أطولهم مسافة فى القدوم، كان جمعية (قوص بلدنا).

هذا أحد أمثلة حضور الجمعية على الخريطة الثقافية، وبشكل عام أوضح (عمر) أن سياسة الجمعية تتضمن الانفتاح والشراكة مع الجميع، والانطلاق فى هذا المبدأ من قبيل التكامل لا التنافس.

كانت (قوص بلدنا) الضلع الثالث مع مؤسسة (دوم) وقصر الثقافة، نتج عن هذه الشراكة حفلة بقوص لراوى السيرة الهلالية (سيد الضوى)، علاوة على عرض لفرقة (بنى مزار)، واستقبال الكاتبة الكبيرة (سحر الموجى) لعقد ورشتها الأدبية.

شراكة أخرى مع متحف (السيرة الهلالية) بأبنود، أثمرت بروتوكول تعرض من خلاله مواهب الجمعية الفنية، فى رحاب المتحف.

أما عن التعاون مع (جمعية طلاب طب قنا)، فهو ما وفر الظهير لحملات (قوص بلدنا) الصحية، وورشها لتعليم الاسعاف الأولى.

فرد آخر، صنع تطوعه فارقًا، اسمه (بكر هشام)، معيد بهندسة أسوان، لم يبخل بوقته أو جهده، وقدم مع الجمعية الأمر ورشة تعليمية لصناعة الروبوت، صحيح أنها اقتصرت على تعليم تقنيات بدائية تعتمد على قانون (باسكال)، وتمثلت التجارب على آلات رفع بسيطة، لكن عند التطلع للمسألة بنظرة إلى الأعلى، تخيلوا: ورش من تلك النوعية فى (قوص) بأقاصى الصعيد؟!

نال أفراد الجمعية التدريب والتأهيل الرفيع من جهات محلية مثل جمعية (يلا نجاح) بقنا، إلى مؤسسات دولية مثل (care) و (D-work).

أعلم أن الجميع يتأهب ويتوجس ويقشعر فور قراءته لأسماء أجنبية، فوجدتها مدخل مناسب لأسأل مضيفنا عن ركن أساسى من تجربة الجمعية، ألا وهو مصادر التمويل.

أكد المنسق العام السابق أن تمويل الجمعية ذاتى بالكامل، فالكوادر أغلبهم متطوع لا يتقاضى أجرًَا، بل يتبرع أيضًا، أما الأماكن على الأرض نحصل عليها مجانًا من خلال شراكات، فى أحيان قليلة يوجد متبرعين خارجيين، تحديدًا عند المشاريع الخيرية كمعرض ملابس، أو شنط رمضانية، إلخ.
هذا كله يصب فى مغزى تجربتنا: بوسعك أن تفعل لمجتمعك كل شئ، من موارد لا شئ.

(قوص بلدنا) فكرة جديرة بأن يحتذرى بها، نضجت بعد مراحل طويلة من الأمل والألم.

يقول أحمد عمر كأمثلة لهذا المعنى:

  • اللحظات الأكثر ألمًا هى العمل الثقافى برمته، لأنك كلما خطوت فيه خطوة، تجد الطريق يمتد أكثر.
  • أما عن الأمل، فيتجلى عند مطالعة أعمال المواهب الصغيرة بالجمعية، فهم يشعوا حولهم كمية التفاؤل والبهجة أكبر من أن تُصدق.

صفحة الجمعية على موقع التواصل الاجتماعى:

https://www.facebook.com/pages/%D9%82%D9%88%D8%B5-%D8%A8%D9%84%D8%AF%D9%86%D8%A7/698523750215163?ref=ts&fref=ts

رابط القناة على يوتيوب:

https://www.youtube.com/user/qusbaldna

 

أحمد عمر
أحمد عمر
جانب من البدايات
جانب من البدايات
ورشة الروبوت 2014
ورشة الروبوت 2014

ي

كأس كرة القدم 2011
كأس كرة القدم 2011
اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى