مقالات

أدهم العبودي يكتب: “الختان”: هتك وجزّ الروح

 كتب: أدهم العبودي

 

 

أدهم العبودي.
أدهم العبودي.

كاشفني أحد الأصدقاء بمدى استهجانه لموضوع ختان الأنثى في مجتمعنا المصري، مؤكّدًا أنّه فعل ضدّ الإنسانية، وأحسب أنّ دليله على ذلك أنّ بناته قد أجرى لهنّ الختان في غيابه!

سألته: وهل سكتّ على هذا؟

فهزّ كتفيه قائلاً: غصب عنّي.. ماذا أفعل؟

نحن إذن أمام آلية من آليات التناقض بين الدليل القولي والدليل الفنّي، ونحن كذلك أمام المطبّ الأكبر في تاريخ الشريعة الإسلامية، هل أقرّت الشريعة الإسلامية الختان؟

وهنا ينبغي البحث في القرآن الكريم، ثم السنّة النبوية، ثم الإجماع، فالقياس..!

خلا النصّ القرآني من دليل أو إشارة أو لفظ أو قرينة تتضمّن موضوع الختان، ممّا يؤكّد أنّ الإجماع أو القياس معطّلين بشأن هذا الحكم داخل متن النّص القرآني.

ونأتي للسنّة، وفي الحقيقة ورد أكثر من حديث، لا تؤكّد الختان قدر ما تؤكّد مدى الافتراء الذي صدر بحق السنّة النبوية، لأنّها أحاديث أُورد ضعفُها بيد الفقهاء، وفي أكثر من موضع، ولم يعُد ثمّة مجال للاحتجاج بها.

ومن يعاود مراجعة التاريخ، لوجد، أنّ “الختان” أصله عادة فرعونية، ولم يكن قط عادة إسلامية، دليلي في ذلك، أنّ البلدان العربية لا تجري “الختان” على الأنثى!

إذن، نحن أمام مساءلة ضمير في المقام الأول، كيف نشوّه من خلقها الله مكتملة اكتمالاً لا عوار فيه ولا نقصان؟ إنّ الله إذ خلق الأنثى، فقد خلقها رمزًا للجمال والاكتمال الجسدي، عكس الرجل، خلقها ميزانًا للبشرية.

لكن يصرّ المجتمع المصري؛ الصعيدي القبلي غالبًا، على أنّ أول ما تواجهه البنت في تلك الحياة، هو اقتطاع جزء من جسدها، جزء من روحها، لا لشيء إلاّ أنّها طقوس جرت بعرف الجهل، ولا يُمكن –بحال- مخالفة تلك الأعراف، فإذا سألت أحدهم عن الحكمة من ذلك سرعان ما أجابك:

– يعني يرضيك البنت لمّا تكبر تطلع لا مؤاخذة..! هذا الموضوع يجعل البنت تسخن ولا تسيطر على رغباتها.. تفضحنا.

أيّ فضيحة بالله وأيّ مأساة! لا يوجد سبب أو مبرّر علمي واحد ولا شرعي يخوّل إجراء “الختان”، مجرّد أفكار تافهة تقلّل كثيرًا من شأن البنت في مجتمعاتنا، بل وتذهب بها إلى منطقة مغلقة أصلها الجهل والتخلّف، وتسجنها في معتقدات غبيّة، تحيطها –دومًا- بالقهر والقساوة. إنّ الله كرّم الإنسان، وكرّم الأنثى، فخلقها أجمل المخلوقات، أجل، هي أجمل من الذكر، وهي تمنح السعادة، والقوّة، الأنثى نفسها –رغم ذلك- هي التي تربّي الذكر، فإمّا نما رجلاً، وإمّا نما دون شخصية، هي شريك أساسي في تطوير مجتمعنا، فكيف نرتضي أن نهين أجمل المخلوقات بأعراف موروثة تثير الغثيان والضحك؟

فسيولوجيًا، فإنّ “الختان” يولّد البرودة عند البنت، فيجعلها تشعر دائمًا بالنقص تجاه رغبات الرجل، فقط لأنّها غير متوافقة –فسيولوجيًا- معه، حيث تمّ إزهاق الكثير من مواطن التلاقي عندها، عمدًا، ودون ضمير، فأيّ ظلم! وأيّ هتك!

إنّنا يا سادة نهتك روح الأنثى قبل كلّ شيء، نجزّها جزًّا، كما لو أنّنا نلعنها، وإنّي لأتساءل: إلى أيّ مدى سنظل نجور على حق بناتنا في التمتّع بمعاني الحياة؟ إلى متى سنضع غمامة أمام أعيننا؟ إلى متى سننظر للأنثى تلك النظرة الدونية؟ متى سنتخلّص من الإرث الثقيل القاسي؟ متى ستعتبر مجتمعاتنا أنّ المرأة على قدم المساواة مع الرجل؟ متى سيفهم الرجال أنّها لم تعُد دمية نشذبها ونجزّها كما يحلو لنا؟

انقذوا المرأة من مجتمعاتنا، وحاربوا “الختان”، حاربوا كلّ ما يسيء فكفانا جهلاً وإغماضًا للعيون عن جرائم ارتكبت، وما زالت، في حقّ الأنثى، وحقّ الإنسانية.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى