قصةمشاركات أدبية

عقربُ الدقائقِ يُرتبُ خارطة العالم

نصوص:محمد ممدوح عبد السلام

 

ـ1ـ

5:00 صباحاً

 

المسافة ُبين الحجرتين كأنّها دهر. يعبرُ الخيط الرفيع الواصلَ بينهما بقلبٍ واجف. يقفُ في المنتصفِ تماماً، يُفكّر في الليلِ الذي تركهُ وحيداً في حجرته. أرادَ العودة إلي الخلفِ ليضعه في جيبهِ، لكن ّ الباب أ ُغلق بإحكام. وعندما استدار ليُكملَ سيْرَه، كان الخيطُ قدْ تمدّد. تنهّدَ في أسي؛ فالطريقُ طالَ أكثرَ ممّا ينْبغي، ولمْ يعُدْ في العمرِ بقيّة. في نهايةِ الخيطِ بابٌ، وقفَ أمامه بعد مشقّةٍ : حينها لم تتوقّف عقاربُ السّاعةِ عن الرّقصِ، السّاعة ُ الموضوعة ُ في ركنٍ قصيّ لا تطاله يده. عقربُ الدقائقِ يمارسُ جنونه بالخارجِ في وضحِ النهار، دون أنْ يترك موضعه هنا، ثمّ يتلاشي في الليلِ، يُفسِحُ له الطريق ليسيروا بأمانٍ في جوفهِ، حتي أنها لم تُمطرْ، فقد تفاجأ المطرُ أنّ العقربَ أخلي دقيقتهَ، التي أعلنتْ هيئة ُ الأرصادِ أنهُ سيمطرُ أثناءها.

 

ـ 2ـ

 

7:15 مساءً

 

الليلُ لم يكنْ وحيداً تماماً في حجرته. جلسَ يُنصتُ إلي كلماتهِ، التي أطلقها من فوقِ مقعدٍ قديم، جلسَ عليه أبوهُ بساقٍ وحيدةٍ، تشكو أن الكرةَ لا تُصيبُ هدفها دائماً، في غيبةِ السّاق الأخري التي تلهو في الصّحراءِ، وتسب الذاتَ الإلهية في أوقاتِ الفراغِ، تتسلّق سراباً لا يعمل، لتستطلعَ طريقاً لم يعدْ له وجود، هل انتهتْ الحربُ فعلاً؟، فلماذا إذاً لم ترجِعْ إلي صاحِبها، التي علّقتْ علي صدرهِ النياشين بفضلِ شجاعتها في الاقتحام؟. ابنه يكذب. يدّعي أنّه لم يره واقفاً علي الطريق ـ الواصلِ بين حجرتين ـ يُقلّب قلبه بين كفيه، ويلقي تحية الصبّاحِ علي المقيمين في حجراتهِ. أيها النذلُ، تغيّرُ أمكنتك حتي لا تري معجزاته، لكنه يعرفُ أنك تتلصص عليه سراً، عيناك تفضحانك، تبرقُ في الحجرةِ المعتمة : أنك بلا معجزات.

 

ـ 3ـ

 

1:52 صباحاً

 

كم مرّ من الوقتِ في وقفتك أمامَ البابِ المغلق؟. تمدّدت بجسدك علي الطريقِ الرّفيعِ، وثمّة شمس خلف البابِ تملءُ حجرتك، ورنينُ هاتف لا يتوقّف. جثتك أسفل الطريق، تنهشها كلابُ الوقتِ، تنزعُ أمعائك بخفّةِ جرّاحٍ ماهرٍ، لتعطيها لعقربِ الدقائقِ فيلهو بها، ويشدها بينه وبين عقرب الثواني، في انتظارِ أنْ تقفز ذكرياتك من فوقها، وتتسللُ من النافذةِ سوطاً يلهب مؤخّراتِ الحمقي، المتطفلين، ومعدومي الخيالِ، أوحبلاً يُقيّد أقدام أقاربك وأصدقائك القدامي، مربوطاً في ذيلِ الرّيحِ : ليمرّر جثثهم من مائة نافذةِ وشرفةٍ، يعلّقون بقاياها علي الحوائطِ مبتسمين في بلاهةٍ، ثم يكملون يومهم علي إيقاعِ العالم. تتبينُ بالكادِ صوت الهاتف : الغرضُ من الحكايةِ كان أنت، فهل نسيت دروس البلاغة؟ .. “التورية”:”أن يُطلق لفظ ٌ له معنيان، أحدهما قريبٌ غير مراد، والآخرُ بعيدٌ هو المُراد”.

 

ـ 4ـ

 

12:00 مساءً

 

ثبّت َ مِعيً من أمعائهِ في الطريق وصعد لأعلي. البابٌ مغلقٌ ويأبي علي الفتحِ، وعقربُ الدقائقِ يُرتبُ خارطة العالم : يمنحُ الحياة َ والموت، يُحاصِرُ الأعاصيرَ ومواسمَ الفيضان بسنّه المدبّب:”لن تخرجوا إلاّ بإشارةِ منّي”. وعندَ الخروجِ يقطفون البهجة، وبسمة ً علي شفاهِ طفل، يمزقون مقطوعة ً موسيقية لعازفٍ متجولٍ، تُدفئ أسرة ً في كوخٍ صغيرٍ علي ضفةِ نهر. تهبطُ من الجهةِ الأخري للطريقِ شمالاً، في حفرةٍ عميقةٍ، لتري نافذة بالأعلي، وصوت يأتيك من الخلف :”التقط قميصك الأحمر المخطط بالأسود، فمٌ الغسّالةِ مفتوح”. القميصُ مصلوبٌ علي حديدِ النّافذةِ الصّديء، وأملاحُ العالمِ تشوّهه وجهه : بيضاءَ كذاكرتهِ تماماً، من كثرةِ ثقلها!.

ـ 5ـ

10:00 مساءً

 

يقولون أنّ اللّون الأحمرَ من الألوانِ الحارّةِ، التي تُعبّر عن العنفِ : يطرقونَ بابي الآن بعنفٍ، في جوفِ الليل .. يقولون أنّ اللّون الأسودَ يتوافقُ مع الموتِ : في حفرةٍ عميقةٍ وسطَ البيتِ الآن ..

 

ـ6ـ

2:00 صباحاً

 

دقيقة ُ المطرِ التي أ ُخليتْ من الشّوارع … أمطرتْ في حفرته.

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى