مقالات

سمير قنبر يكتب: الكتاب يحتاج إلى مدقق لغوي «2»

كتب: سمير قنبر

 

ماذا يحتاج الكتاب؟

المقال الثاني

المراجع أو المدقق اللغوي مهمته الأساسية هي مراجعة كتاب ما قبل إصداره من ناحية اللغة.. هكذا يعتقد الغالبية. وغالبية المدققين المتوافرين الآن أعتقد أنهم يقومون بمراجعة اللغة طبقًا للقواعد النحوية الصحيحة.. طبعًا لا كمال لأحد ولا علم مكتمل عند أحد، لكنها نسبة معينة تجعل المتلقي يقبل بعمل هذا أو ذاك.. فللأسف.. اليوم هناك كثيرون يعملون في مهنة المراجع اللغوي وتعتمد عليهم دور النشر، ولكن هناك سؤالًا: ماذا لو لم يكن هذا المراجع متمكنًا ممَّا يقوم به؟ فقد وجدنا البعض يظهر أخطاء لغوية قاتلة بعد أن راجع كتابًا لأحدهم.. وتلك الأخطاء، للأسف، كانت نحوية ولغوية وتركيبية، وتلك الأخطاء أخرجت بعض الكتب من المنافسة على نيل جائزة ثقافية وأدبية منذ بضع سنوات.

أربعة أقسام أساسية يجب أن يكون المراجع اللغوي متمكنًا منها: قواعد النحو والصرف، الإملاء والترقيم، جماليات التراكيب اللغوية، محصلة لفظية ضخمة من المرادفات والمعاني حتى يستطيع فعلًا أن يقوم بعمله كما يجب.

«العقاد» و«الحكيم» و«المازني» و«الرافعي».. هل يمكن أن نتخيل أن هؤلاء كان يراجع لهم مراجعون أو مدققون لغويون؟! ليست لديَّ المعلومة ولكني لا أتخيل أن تلك الوظيفة كانت تُفرض على الإنتاج الأدبي لهم؛ فهم يكتبون من خلال محصلة لغوية ولفظية وإبداعية تم عمل دراسات ورسائل ماجستير ودكتوراه فيها في الأزمان اللاحقة لإنتاجهم الإبداعي والأدبي والثقافي. وذلك المنحى ليس فرضًا على كل من يكتب، ولكن من يملك تلك القدرة اللغوية فمن المؤكد أنه سينتج للعموم أعمالًا يخلِّدها التاريخ وترسخ في أذهان من قرأها. ولأنه في عصرنا قد أُنتجت واستُحدثت أدوات تكنولوجية كثيرة، مثل الإنترنت وعالم التدوين الحر، فقد أُتيحت فرصة مجانية هائلة لكل شخص أن يكتب ويعبِّر عن نفسه في أي مجال كتابي، لكن الغالبية تنسى أن الكتاب عندما يصدر عن شخصٍ ما يجب أن يضيف للتراث والتاريخ واللغة والحياة الإنسانية شيئًا جديدًا يفيد كل من يقرأ.. ونظرًا لأن صنف الرواية والقصة هو الصنف الأكثر انتشارًا بين جمهور القراء فيجب أن يؤدي هذا الصنف – كلما خرج فيه كتاب جديد – هدفًا أو فائدة ما. وعلى الرغم من أن قوة اللغة قد تضفي على رواية ما عمقًا وشكلًا أعظم من فكرتها ومضمونها وهدفها، فإن الناقد المطَّلع والقدير لا يرى في ذلك فائدة إلا إذا توافقت قوة اللغة مع قوة الحبكة والفكرة والمضمون والبناء الروائي الكامل.

ومن هنا، وفي عصرنا الحالي، ومن وجهة نظري، يأتي دور مهم وأساسي للمراجع والمدقق اللغوي؛ فدوره لا ينقضي فقط بمراجعة الجمل تباعًا وترقيمها، إنما يجب عليه أن يكون الفيصل قبل نشر العمل، هذا طبعًا إذا كان فعلًا يمكن وصفه بأنه مدقق لغوي ملم بقواعد اللغة ولديه محصلة لغوية ولفظية حصيفة يستطيع من خلالها إضفاء رأي فني حول الرواية أو القصة التي يراجعها فأعتقد أن من حقه أن يقترح تركيبًا لغويًّا أفضل لجملة يراها أمامه ربما صاغها الكاتب بطريقة ضعيفة أو دون المستوى، ومن حقه اقتراح كلمات ومرادفات ومعانٍ ربما تكون أكثر بلاغة وتعبيرًا عن اللفظ الذي استخدمه الكاتب، وبذلك يخرج العمل أكثر قوة وإفادة لمن يقرأ فيستفيد ويعي ويصله ما يريد الكاتب أن يقول من خلال حبكته ورؤيته وشخوصه وعلاماته.. وأيضًا تزيد محصلته اللغوية دون أن يشعر وهو يقرأ، فإذا ما أُعجب بالرواية وشدته أحداثها فستترسخ مدلولات منها في عقله وبالتبعية ودون إدراك عندما تمر العين على السطور ليترجمها العقل وعيًا وفهمًا للمعنى فستترسخ تلك الألفاظ والمرادفات في فهمه ووعيه اللغوي الكامل.

سمير قنبر
سمير قنبر

وإنما أشد المصائب التي قد تُضعف العمل الأدبي وتجعله يتخلف في الترتيب هي مراجع لغوي غير متمكن أو غير ملم بمهامه ودوره.. وليس كل من تخرج في كلية دار العلوم أو أقسام اللغة العربية قادرًا على مراجعة نصٍّ ما وليست المسألة مجرد مراجعة الجمل من ناحية الإعراب وقواعده أو إضافة همزة أو وضع تشكيل، وإنما إضفاء روح جمالية وإبداعية تكمل النص المكتوب، ونسبة الإكمال تلك – من وجهة نظري – يجب ألا تتعدى، بأي شكل، 10% من إجمالي النص؛ لأنها لو زادت على ذلك فيكون الكاتب ضعيفًا من ناحية اللغة وغير ملم بمحصلة تساعده على إخراج ما يريد أن يقول.

المدقق اللغوي..

يجب أن يكون ملماً بألفية ابن مالك ولامية البوصيري مثلًا وليس إجمالًا..

يجب أن يكون، على الأقل، قد قرأ «الأغاني» للأصفهاني مثلًا وليس إجمالًا.

يجب أن يكون قد قرأ وحفظ معلقات شعراء الجاهلية، أفصح ألسنة العرب وأقواها، مثلًا وليس إجمالًا.

المدقق اللغوي يجب أن يكون حافظًا للقرآن الكريم الذي خرجت منه قواعد اللغة العربية الفصحى كاملة، وهذا ليس مثلًا وإنما أساس واجب وملزم.

المدقق اللغوي ليس مُراجِعًا لقواعد اللغة العربية وإنما شريك في إخراج قطعة إبداعية تُثري الذوق وتهذب الذائقة.. فعذرًا، ليس مَن حفظ بعض قواعد اللغة يصبح مراجعًا أو مدققًا لغويًّا كما يُطلَق عليه الآن.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى